ورأى ايضا كل نوع من انواع الحيوان له خاصية ينحاز بها عن سائر الانواع، وينفصل بها، متميزا عنها. فعلم ان ذلك صادر له عن صورة تخصه، هي زائدة
عن معنى الصورة المشتركة له ولسائر الحيوان، وكذلك لكل واحد من انواع النبات مثل ذلك. فتبين له ان الاجسام المحسوسات التي في عالم الكون والفساد، بعضها تلتئم حقيقته عن معان كثيرة زائدة على معنى الجسمية، وبعضها من معان اقل.
وعلم ان معرفة الاقل اسهل من معرفة الأكثر. فطلب اولا الوقوف على حقيقة صورة الشيء الذي تلتئم حقيقته من اقل الأشياء. ورأى ان الحيوان والنبات لا تلتئم حقائقهما الا من معان كثيرة، لتفنن افعالهما، فاخر التفكير في صورهما. وكذلك رأى ان اجزاء الارض، بعضها ابسط من بعض، فقصد منها الى ابسط ما قدر عليه. وكذلك رأى ان الماء شيء قليل التركيب، لقلة ما يصدر عن صورته من الافعال. وكذلك رأى النار والهواء.
وقد كان سبق الى ظنه اولا ان هذه الأربعة يستحيل بعضها الى بعض، وان لها شيئا واحدا تشترك فيه، وهو معنى الجسمية، وان ذلك الشيء ينبغي ان يكون خلوا من المعاني التي تميز بها كل واحد من هذه الأربعة عن الآخر فلا يمكن ان يتحرك الى فوق، ولا الى اسفل، ولا ان يكون حارا، ولا ان يكون رطبا، ولا يابسا، لان كل واحد من هذه الاوصاف لا يعم جميع الاجسام فليست اذن للجسم بما هو جسم. فاذا امكن وجود جسم لا صورة فيه زائدة على الجسمية، فليس تكون فيه صفة من هذه الصفات، ولا يمكن ان تكون فيه صفة الا وهي تعم سائر الاجسام المتصورة بضروب الصور.
فنظر، هل يجد وصفا واحدا يعم جميع الاجسام، حيها وجامدها؟ فلم يجد شيئا يعم الاجسام كلها الا معنى الامتداد الموجود في جميعها في الاقطار الثلاثة التي يعبر عنها بالطول والعرض والعمق. فعلم ان هذا المعنى هو للجسم من حيث هو جسم.
لكنه لم يتأت له بالحس وجود جسم بهذه الصفة وحدها حتى لا يكون فيه معنى زائد على الامتداد المذكور، ويكون بالجملة خلوا من سائر الصور.
ثم تفكر في هذا الامتداد الى الاقطار الثلاثة، هل هو معنى الجسم بعينه،
وليس ثم معنى آخر، او ليس الامر كذلك؟ فرأى ان وراء هذا الامتداد معنى آخر، هو الذي يوجد فيه هذا الامتداد وحده، لا يمكن ان يقوم بنفسه كما ان ذلك الشيء الممتد لا يمكن ان يقوم بنفسه دون امتداد.