وقد تبين ان هذا الموجود الواجب الوجود بريء من صفات الاجسام، من جميع
الجهات. فاذن لا سبيل الى ادراكه الا بشيء ليس بجسم، ولا هو قوة في جسم، ولا تعلق له بوجه من الوجوه بالاجسام ولا هو داخل فيها، ولا خارج عنها، ولا متصل بها، ولا منفصل عنها. وقد كان تبين له انه ادركه بذاته، ورسخت المعرفة به عنده. فتبين له بذلك ان ذاته التي ادركه بها امر غير جسماني، لا يحوز عليه شيء من صفات الاجسام. وان كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسميات، فانها ليست حقيقة ذاته وانما حقيقة ذاته ذلك الشيء الذي ادرك به الموجود المطلق الواجب الوجود.
فلما علم ان ذاته ليست هذه المتجسمة التي يدركها بحواسه، ويحيط بها اديمه، هان عنده بالجملة جسمه وجعل يتفكر في تلك الذات الشريفة التي ادرك بها ذلك الموجود الشريف الواجب الوجود. ونظر في ذاته تلك الشريفة هل يمكن ان تبيد او تفسد وتضمحل، او هي دائمة البقاء؟
فرأى ان الفساد والاضمحلال انما هو من صفات الاجسام، بان تخلع صورة وتلبس اخرى، مثل الماء اذا صار هواء، والهواء اذا صار ماء والنبات اذا صار ترابا او رمادا، والتراب اذا صار نباتا. فهذا هو معنى الفساد.
واما الشيء الذي ليس بجسم، ولا يحتاج في قوامه الى الجسم، وهو منزه بالجملة عن الجسميات، فلا يتصور فساده البتة.
فلما ثبت له ان ذاته الحقيقية لا يمكن فسادها، اراد ان يعلم كيف يكون حالها اذا طرحت البدن، وتخلت عنه. وقد كان تبين له انها لا تطرحه الا اذا لم يصلح آلة لها. فتصفح جميع القوى المدركة: فرأى ان كل واحدة منها، تارة تكون مدركة بالقوة، وتارة تكون مدركة بالفعل، مثل العين في حال تغميضها او اعراضها عن المبصر،
فانها تكون مدركة بالقوة. ومعنى مدركة بالقوة انها لا تدرك الآن وتدرك في المستقبل وفي حال فتحها واستقبالها للمبصر تكون مدركة بالفعل. ومعنى مدركة بالفعل، انها الآن تدرك. وكذلك كل واحدة من هذه القوى تكون مدركة بالقوة، وتكون مدركة بالفعل. وكل واحدة من هذه القوى، ان كانت لم تدرك قط بالفعل، فهي ما دامت بالقوة لا تتشوق الى ادراك الشيء المخصوص بها، لانها لم تتعرف به بعد، مثل من خلق مكفوف البصر. وان كانت قد ادركت بالفعل تارة، ثم صارت بالقوة، فانها ما دامت بالقوة تشتاق الى الادراك بالفعل، لانها قد تعرفت بذلك المدرك، وتعلقت به، وحنت اليه، مثل من كان بصيرا ثم عمي، فانه لا يزال يشتاق الى المبصرات.