ولكن شغلته الدنيا عن ذلك، وهو اول من ادخل التعليم الصوفي الى الاندلس.
ثم خلف من بعدهم خلف آخر احذق منهم نظرا واقرب الى الحقيقة. ولم يكن فيهم اثقب ذهنا، ولا اصحّ نظرا، ولا اصدق روية، من ابي بكر بن الصائغ.
غير انه شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه، وبث خفايا حكمته.
واكثر ما يوجد له من التأليف، انما هي كاملة ومجزومة من اواخرها، ككتابه «في النفس» و «تدبير المتوحد» . وما كتبه في المنطق وعلم الطبيعة. واما كتبه الكاملة، فهي كتب وجيزة، ورسائل مختلسة. وقد صرح هو نفسه بذلك، وذكر ان المعنى المقصود برهانه في «رسالة الاتصال» ، ليس يعطيه ذلك القول عطاء بينا الّا بعد عسر واستكراه شديد. وان ترتيب عبارته في بعض المواضع على غير الطريق الاكمل، ولو اتسع له الوقت مال لتبديلها. فهذا حال ما وصل الينا من علم هذا الرجل، ونحن لن نلقى شخصه.
واما من كان معاصرا له ممن لم يوصف بانه في مثل درجته، فلم نر له تأليفا.
واما من جاء بعدهم من المعاصرين لنا، فهم بعد في حد التزايد او الوقوف على غير كمال، او ممن لم تصل الينا حقيقة امره.
الفارابي: يذكر مصير الانفس الشريرة: يقول تارة انها تتألم وتارة انها تنحلّ وتعدم. والنفس الفاضلة باقية فقط. ثم يعود ويقول بفناء جميع الانفس، ويقول ان النبوة من عمل القوة الخيالية وان الفيلسوف في مرتبة اسمى من مرتبة النبي.
واما ما وصل الينا من كتب ابي نصر، فأكثرها في المنطق، وما ورد منها في الفلسفة، فهي كثيرة الشكوك فقد اثبت في كتابه «الملة الفاضلة» بقاء النفوس الشريرة بعد الموت في آلام لا نهاية لها، وبقاء لا نهاية له. ثم صرح في «السياسة المدنية» بانها منحلة وسائرة الى العدم، وانه لا بقاء الا للنفوس الفاضلة الكاملة. ثم وصف في شرح «كتاب الاخلاق» شيئا من امر السعادة الانسانية وانها انما تكون في هذه الحياة التي في هذه الدار. ثم قال عقب ذلك، كلاما هذا معناه: «وكل ما يذكر غير هذا فهو هذيان وخرافات عجائز» . فهذا قد ايأس الخلق جميعا من رحمة الله تعالى، وصيّر الفاضل والشرير في رتبة واحدة، اذ جعل مصير الكل الى
العدم. وهذه زلة لا تقال، وعثرة ليس بعدها جبر. هذا مع ما صرح به من سوء معتقده في النبوة، وانها بزعمه للقوة الخيالية خاصة. وتفضيله الفلسفة عليها، الى اشياء ليس بنا حاجة الى ايرادها.