فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 93

فلما سمع آسال منه وصف تلك الحقائق، والذوات المفارقة لعالم الحس، العارفة بذات الحق عز وجل ووصفه ذات الحق تعالى وجل، باوصافه الحسنى، ووصف له ما امكنه وصفه مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وآلام المحجوبين، لم يشك آسال في ان جميع الأشياء التي وردت في شريعته من امر الله عز وجل، وملائكته

وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي امثلة هذه التي شاهدها حي ابن يقظان. فانفتح بصر قلبه، وانقدحت نار خاطره، وتطابق عنده المعقول والمنقول، وقربت عليه طرق التأويل، ولم يبق عليه مشكل في الشرع الا تبين له، ولا مغلق الا انفتح، ولا غامض الا اتضح. وصار من أولي الالباب. وعند ذلك نظر الى حي بن يقظان بعين التعظيم والتوقير. وتحقق عنده انه من اولياء الله الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون [1] .

فالتزم خدمته والاقتداء به والأخذ باشاراته فيما تعارض عنده من الاعمال الشرعية التي كان قد تعلمها في ملته.

وجعل حي بن يقظان يستفحصه عن امره وشأنه. فجعل آسال يصف له شأن جزيرته وما فيها من العالم وكيف كانت سيرهم قبل وصول الملة اليهم وكيف هي الآن بعد وصولها اليهم. ووصف له جميع ما ورد في الشريعة من وصف العالم الإلهي، والجنة والنار، والبعث والنشور، والحشر والحساب، والميزان والصراط. ففهم حي ابن يقظان ذلك كله ولم ير فيه شيئا على خلاف ما شاهده في مقامه الكريم.

فعلم ان الذي وصف ذلك، وجاء به، محق في وصفه، صادق في قوله، رسول من عند ربه. فآمن به وصدقه، وشهد برسالته.

ثم جعل يسأله عما جاء به من الفرائض ووضعه من العبادات. فوصف له الصلاة والزكاة والصيام والحج وما اشبهها من الاعمال الظاهرة. فتلقى ذلك والتزمه واخذ نفسه بادائه، امتثالا للامر الذي صحّ عنده صدق قائله. الا انه بقي في نفسه امران كان يتعجب منهما ولا يدري وجه الحكمة فيهما:

احدهما: لم ضرب هذا الرسول الامثال للناس في اكثر ما وصفه من امر العالم الإلهي، واضرب عن المكاشفة، حتى وقع الناس في امر عظيم من التجسيم، واعتقاد

(1) قرآن كريم 2/ 36، 264، 275

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت