اعتقد حي ان الافلاك تسبح الله في حركاتها الدائرية فاخذ يدور حول الجزيرة ثم ان الافلاك تدور حول نفسها، فاخذ يدور حول نفسه حتى يغشى عليه كما وانه لاحظ ان الافلاك براقة فاخذ ينظف نفسه.
ثم اخذ في العمل الثاني، وهو التشبه بالاجسام السماوية والاقتداء بها، والتقبل لصفاتها، وتتبع اوصافها. فانحصرت عنده في ثلاثة اضرب:
الضرب الأول: اوصاف لها بالاضافة الى ما تحتها من عالم الكون والفساد، وهي ما تعطيه اياه من التسخين بالذات، او التبريد بالعرض، والاضاءة والتلطيف والتكثيف، الى سائر ما تفعل فيه من الامور التي بها يستعد لفيضان الصور الروحانية عليه من عند الفاعل الواجب الوجود.
والضرب الثاني: اوصاف لها في ذاتها، مثل كونها شفافة ونيرة وطاهرة، منزهة عن الكدر وضروب الرجس، ومتحركة بالاستدارة، بعضها على مركز نفسها، وبعضها على مركز غيرها.
والضرب الثالث: اوصاف لها بالاضافة الى الموجود الواجب الوجود، مثل كونها تشاهده مشاهدة دائمة، ولا تعرض عنه، وتتشوق اليه، وتتصرف بحكمه، وتتسخر في تتميم ارادته، ولا تتحرك الا بمشيئته وفي قبضته. فجعل يتشبه بها جهده في كل واحد من هذه الاضرب الثلاثة.
اما الضرب الأول: فكان تشبهه بها فيه ان الزم نفسه ان لا يرى ذا حاجة او عاهة او مضرة، او ذا عائق من الحيوان او النبات، وهو يقدر على ازالتها عنه، الا ويزيلها. فمتى وقع بصره على نبات قد حجبه على الشمس حاجب، او تعلق به نبات آخر يؤذيه، او عطش عطشا يكاد يفسده، ازال عنه ذلك الحاجب
ان كان مما يزال وفصل بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضرّ المؤذي وتعهده بالسقي ما امكنه. ومتى وقع بصره على حيوان قد ارهقه ضبع او نشب به ناشب، او تعلق على شوك، او سقط في عينيه او اذنيه شيء يؤذيه، او مسه ظمأ او جوع، تكفل بازالة ذلك كله عن جهده، واطعمه وسقاه.