وكان في تلك المدة حي بن يقظان شديد الاستغراق في مقاماته الكريمة. فكان لا يبرح عن مغارته الا مرة في الاسبوع لتناول ما سنح من الغذاء. فلذلك لم يعثر عليه آسال بأول وهلة، بل كان يتطوف باكناف تلك الجزيرة، ويسيح في ارجائها، فلا يرى انسيا، ولا يشاهد اثرا. فيزيد بذلك انسه وتنبسط نفسه، لما كان قد عزم عليه من التناهي في طلب العزلة والانفراد الى ان اتفق في بعض تلك الاوقات ان خرج حي بن يقظان لالتماس غذائه، وآسال قد ألم بتلك الجهة. فوقع بصر كل واحد منهما على الآخر.
فاما آسال فلم يشك انه من العباد المنقطعين، وصل الى تلك الجزيرة لطلب العزلة عن الناس، كما وصل هو اليها. فخشي ان هو تعرض له، وتعرف به، ان يكون ذلك سببا لفساد حاله، وعائقا بينه وبين امله. واما حي بن يقظان فلم يدر ما هو، لانه لم يره على صورة شيء من الحيوانات التي كان قد عاينها قبل ذلك. وكان عليه مدرعة سوداء من شعر وصوف فظن انها لباس طبيعي. فوقف يتعجب منه مليا.
وولى آسال هاربا منه، خيفة ان يشغله عن حاله فاقتفى حي بن يقظان اثره لما كان في طباعه من البحث عن حقائق الأشياء. فلما رآه يشتد في الهرب، خنس عنه وتوارى له، حتى ظن آسال انه قد انصرف عنه، وتباعد من تلك الجهة.
فشرع آسال في الصلاة والقراءة، والدعاء والبكاء، والتضرع والتواجد، حتى شغله ذلك عن كل شيء. فجعل حي بن يقظان يتقرب منه قليلا قليلا، وآسال لا يشعر به، حتى دنا منه بحيث يسمع قراءته وتسبيحه، ويشاهد خضوعه وبكاءه. فسمع صوتا حسنا، وحروفا منظمة، ولم يعهد مثلها من شيء من اصناف الحيوان. ونظر الى اشكاله وتخطيطه، فرآه على صورته وتبين له ان المدرعة التي عليه ليست جلدا طبيعيا، وانما هي لباس متخذ مثل لباسه هو. ولما رأى حسن خشوعه وتضرعه وبكائه، لم يشك في انه من الذوات العارفة بالحق فتشوق اليه، واراد ان يرى ما عنده، وما الذي اوجب بكاءه وتضرعه. فزاد في الدنو منه حتى احس به آسال، فاشتد في العدو واشتدّ حي بن يقظان في اثره، حتى التحق به لما كان اعطاه الله من القوة والبسطة في العلم والجسم فالتزمه وقبض عليه، ولم يمكنه من البراح.
فلما نظر اليه آسال، وهو مكتس بجلود الحيوانات ذوات الاوبار، وشعره قد طال حتى جلل كثيرا منه ورأى ما عنده من سرعة الحضر وقوة البطش، فرق منه فرقا شديدا، وجعل يستعطفه، ويرغب اليه بكلام لا يفهمه حي بن يقظان، ولا يدري ما هو. غير انه كان يميز فيه شمائل الجزع. فكان يؤنسه بأصوات كان قد تعلمها من بعض الحيوانات، ويجر يده على رأسه، ويمسح اعطافه، ويتملق اليه، ويظهر البشر والفرح به، حتى سكن جأش آسال، وعلم انه لا يريد به سوءا. وكان آسال قديما، لمحبته في علم التأويل، قد تعلم اكثر الألسن، ومهر فيها، فجعل يكلم حي ابن يقظان، ويسأله عن شأنه بكل لسان يعلمه، ويعالج افهامه، فلا يستطيع. وحي ابن يقظان في ذلك كله يتعجب مما يسمع، ولا يدري ما هو غير انه يظهر له البشر والقبول. فاستغرب كل واحد منهما امر صاحبه.
وكان عند آسال بقية من زاد كان قد استصحبه من الجزيرة المعمورة. فقربه الى
حي بن يقظان، فلم يدر ما هو، لانه لم يكن شاهده قبل ذلك. فأكل منه آسال واشار اليه ليأكل. ففكر حي بن يقظان فيما كان عقد على نفسه من الشروط في تناول الغذاء ولم يدر اصل ذلك الشيء الّذي قدم له: ما هو، وهل يجوز له تناوله ام لا؟ فامتنع عن الأكل. ولم يزل آسال يرغب اليه ويستعطفه. وقد كان اولع به حي بن يقظان، فخشي ان دام على امتناعه ان يوحشه فأقدم على ذلك الزاد وأكل منه.