واما الذوات الالهية، والارواح الربانية، فانها كلها بريئة عن الاجسام ولواحقها، ومنزهة غاية التنزيه عنها ولا ارتباط ولا تعلق لها بها وسواء بالاضافة اليها بطلان الاجسام او ثبوتها، ووجودها او عدمها. وانما ارتباطها وتعلقها بذات الواحد الحق الموجود الواجب الوجود، الذي هو اولها ومبدأها، وسببها وموجدها، وهو يعطيها
الدوام، ويمدها بالبقاء والتسرمد، ولا حاجة بها، بل الاجسام محتاجة اليها. ولو جاز عدمها، لعدمت الاجسام، فانها هي مباديها، كما انه لو جاز ان تعدم ذات الواحد الحق تعالى وتقدس عن ذلك، لا إله إلا هو لعدمت هذه الذوات كلها، ولعدمت الاجسام، ولعدم العالم الحسي بأسره، ولم يبق موجود، اذ الكل مرتبط بعضه ببعض. والعالم المحسوس، وان كان تابعا للعالم الالهي، شبيه الظل له والعالم الالهي مستغن عنه وبريء منه، فانه مع ذلك يستحيل فرض عدمه، اذ هو لا محالة تابع للعالم الالهي. وانما فساده ان يبدل، لا ان يعدم بالجملة. وبذلك نطق الكتاب العزيز حيثما وقع هذا المعنى في تغير الجبال وتصييرها كالعهن [1] ، والناس كالفراش، وتكوير الشمس والقمر، وتفجير البحار « {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمََاوََاتُ} » .
فهذا القدر هو الذي امكنني الآن ان أشير اليك به فيما شاهده «حي بن يقظان» في ذلك المقام الكريم فلا تلتمس الزيادة عليه من جهة الالفاظ، فان ذلك كالمتعذر.
وأما تمام خبره، فسأتلوه عليك ان شاء الله تعالى، وهو انه لما عاد الى العالم المحسوس، وذلك بعد جولانه حيث جال، سئم تكاليف الحياة الدنيا، واشتد شوقه الى الحياة القصوى، فجعل يطلب العود الى ذلك المقام بالنحو الذي طلبه اولا، حتى وصل اليه بأيسر من السعي الذي وصل به اولا ودام فيه ثانيا مدة اطول من الاولى.
ثم عاد الى عالم الحس. ثم تكلف الوصول الى مقامه بعد ذلك فكان ايسر عليه من الاولى والثانية، وكان دوامه اطول.
وما زال الوصول الى ذلك المقام الكريم يزيد عليه سهولة، والدوام يزيد فيه طولا بعد مدة، حتى صار بحيث يصل اليه متى شاء، ولا ينفصل عنه الا متى شاء.
فكان يلازم مقامه ذلك، ولا ينثني عنه الا لضرورة بدنه التي كان قد قللها، حتى كان لا يوجد اقل منها.
(1) العهن: الصوف.