فلما جزم الحكم بان العضو الذي نزلت به الآفة انما هو في صدرها، اجمع على
البحث عليه والتنقير عنه، لعله يظفر به، ويرى آفته فيزيلها. ثم انه خاف ان يكون نفس فعله هذا اعظم من التي نزلت بها اولا، فيكون سعيه عليها.
ثم انه فكر، هل رأى من الوحوش وسواها من صار في مثل تلك الحال، ثم عاد الى مثل حاله الأول؟ فلم يجد شيئا. فحصل له من ذلك اليأس من رجوعها الى حالها الأول ان هو تركها، وبقي له بعض رجاء في رجوعها الى تلك الحال ان هو وجد ذلك العضو، وازال الآفة عنه.
فعزم على شق صدرها وتفتيش ما فيه، فاتخذ من كسور الاحجار الصلدة وشقوق القصب اليابسة اشباه السكاكين، وشق بها بين اضلاعها، حتى قطع اللحم الذي بين الاضلاع، وافضى الى الحجاب المستبطن للاضلاع، فرآه قويا، فقوي ظنه بان مثل ذلك الحجاب لا يكون الا لمثل ذلك العضو. وطمع بانه اذا تجاوزه الذي مطلوبه. فحاول شقه، فصعب عليه لعدم الآلات، ولانها لم تكن الا من الحجارة والقصب.
فاستجدها ثانية، واستحدها، وتلطف في خرق الحجاب حتى انخرق له، فافضى الى الرئة، فظن اولا انها مطلوبه. فما زال يقلبها ويطلب موضع الآفة بها.
وكان أولا انما وجد منها نصفها الذي هو في الجانب الواحد. فلما رآها مائلة الى
جهة واحدة، وكان قد اعتقد ان ذلك العضو لا يكون الا في الوسط، في عرض البدن، كما هو في الوسط في طوله. فما زال يفتش في وسط الصدر حتى ألفى القلب وهو مجلل بغشاء في غاية القوة، مربوط بمعاليق في غاية الوثاقة، والرئة مطيفة به من الجهة التي بدأ بالشق منها. فقال في نفسه: «ان كان لهذا العضو من الجهة الاخرى مثل ما له من هذه الجهة، فهو في حقيقة الوسط، ولا محالة انه مطلوبي، لا سيما مع ما ارى له من حسن الوضع وجمال الشكل وقلة التشتت وقوة اللحم، وانه محجوب بمثل هذا الحجاب الذي لم ار مثله لشيء من الاعضاء» .