وقد توهم بعض المتأخرين من كلامه الواقع في آخر «كتاب المشكاة» امرا عظيما اوقعه في مهواة لا مخلص له منها، وهو قوله بعد ذكر اصناف المحجوبين بالانوار، ثم انتقاله الى ذكر الواصلين انهم وقفوا على ان هذا الوجود العظيم متصف بصفة تنافي الوحدانية المحضة، فاراد ان يلزمه من ذلك انه يعتقد ان الأول الحق سبحانه في ذاته كثرة ما تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
ولا شك عندنا في ان الشيخ ابا حامد ممن سعد السعادة القصوى، ووصل تلك المواصل الشريفة المقدسة.
لكن كتبه المضنون بها المشتملة على عدم المكاشفة، لم تصل الينا.
ابن طفيل سيصرح برأيه لمن سأله هذا السؤال:
اعني ان يبث اليه اسرار الحكمة المشرقية.
ولم يتخلص لنا نحن الحق الذي انتهينا اليه، وكان مبلغنا من العلم تتبع كلامه وكلام الشيخ ابي علي وصرف بعضها الى بعض، واضافة ذلك الى الآراء التي نبغت في زماننا هذا، ولهج بها قوم من منتحلي الفلسفة، حتى استقام لنا الحق اولا بطريق البحث والنظر، ثم وجدنا منه الآن هذا الذوق اليسير بالمشاهدة. وحينئذ رأينا انفسنا اهلا لوضع كلام يؤثر عنا، وتعين علينا ان تكون ايها السائل اول من اتحفناه بما عندنا، واطلعناه على ما لدينا لصحيح ولائك وزكاء صفاتك.
غير اننا ان القينا اليك بغايات ما انتهينا اليه من ذلك من قبل ان نحكم مباديها معك، لم يفدك ذلك شيئا اكثر من امر تقليدي مجمل. هذا ان انت حسنت ظنك بنا، بحسب المودة والمؤالفة لا بمعنى انا نستحق ان يقبل قولنا.
ونحن لا نرضى لك هذه المنزلة، ونحن لا نقنع لك بهذه الرتبة، ولا نرضى لك الا ما هو اعلى منها، اذ هي غير كفيلة بالنجاة، فضلا عن الفوز على الدرجات.
وانما نريد ان نحملك على المسالك التي قد تقدم عليها سلوكنا، ونسبح بك في البحر الذي قد عبرناه اولا، حتى يفضي بك الى ما افضى بنا اليه، فتشاهد من ذلك ما شاهدناه، وتتحقق ببصيرة نفسك كل ما تحققناه، وتستغني عن ربط معرفتك بما عرفناه.
وهذا يحتاج الى مقدار معلوم من الزمان، غير يسير، وفراغ من الشواغل، واقبال
بالهمة كلها على هذا الفن. فان صدق منك هذا العزم، وصحت نيتك للتشمير في هذا المطلب، فستحمد عند الصباح مسراك، وتنال بركة مسعاك، وتكون قد ارضيت ربك، وارضاك، وانا لك حيث تريده من املك، وتطمح اليه بهمتك وكليتك.