فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 93

وقد رسخ في قلبه من امر الفاعل ما شغله عن الفكرة في كل شيء الا فيه. وذهل عما كان فيه من تصفح الموجودات والبحث عنها، حتى صار بحيث لا يقع بصره على شيء من الأشياء الا ويرى فيه اثر الصنعة من حينه. فينتقل بفكره على الفور الى الصانع، ويترك المصنوع حتى اشتد شوقه اليه وانزعج قلبه بالكلية عن العالم الادنى المحسوس، وتعلق بالعالم الارفع المعقول.

الجزء الخامس: حي يتساءل كيف ادرك هذه الحقائق؟

روحانية النفس:

انتهى الى نتائج غير محسوسة، فلا بد وان تكون له قوة متميزة عن الجسم: هي الروح، لا تتصف بصفة من صفات الاجسام يردد ابن طفيل براهين ابن سينا الخاصة بروحانية النفس وبخلودها.

فلما حصل له العلم بهذا الموجود الرفيع، الثابت الوجود، الذي لا سبب لوجوده، وهو سبب لوجود جميع الأشياء، اراد ان يعلم بأي شيء حصل له هذا العلم، وبأي قوة ادرك هذا الموجود. فتصفح حواسه كلها، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس. فرأى انها كلها لا تدرك شيئا الا جسما، او ما هو في جسم. وذلك ان السمع انما يدرك المسموعات، وهي ما يحدث من تموج الهواء عند تصادم الاجسام.

والبصر انما يدرك الالوان. والشم يدرك الروائح. والذوق يدرك الطعوم. واللمس يدرك الامزجة والصلابة واللين والخشونة والملاسة. وكذلك القوة الخيالية، لا تدرك شيئا الا ان يكون له طول وعرض وعمق. وهذه المدركات كلها من صفات الاجسام، وليس لهذه الحواس ادراك شيء سواها. وذلك لانها قوى شائعة في الاجسام، ومنقسمة بانقسامها. فهي لذلك لا تدرك الا جسما منقسما لان هذه القوة اذا كانت شائعة في شيء منقسم، فلا محالة اذا ادركت شيئا من الأشياء فانه ينقسم بانقسامها. فاذن كل قوة في جسم فانها لا محالة لا تدرك الا جسما، او ما هو في جسم.

وقد تبين ان هذا الموجود الواجب الوجود بريء من صفات الاجسام، من جميع

الجهات. فاذن لا سبيل الى ادراكه الا بشيء ليس بجسم، ولا هو قوة في جسم، ولا تعلق له بوجه من الوجوه بالاجسام ولا هو داخل فيها، ولا خارج عنها، ولا متصل بها، ولا منفصل عنها. وقد كان تبين له انه ادركه بذاته، ورسخت المعرفة به عنده. فتبين له بذلك ان ذاته التي ادركه بها امر غير جسماني، لا يحوز عليه شيء من صفات الاجسام. وان كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسميات، فانها ليست حقيقة ذاته وانما حقيقة ذاته ذلك الشيء الذي ادرك به الموجود المطلق الواجب الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت