فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 93

ثم انه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة». فيصير المخطوف مألوفا، والوميض شهابا بينا، وتحصل له معارفه مستقرة، كأنها صحبة مستمرة [1] «الى ما وصفه من تدريج المراتب، وانتهائها الى النيل بأن يصير سره مرآة مجلوة، يحاذى بها شطر الحق. وحينئذ تدر عليه اللذات العلى، ويفرح بنفسه لما (يرى) بها من اثر الحق، ويكون له من هذه الرتبة نظر الى الحق، ونظر الى نفسه، وهو بعد متردد. ثم انه ليغيب عن نفسه، فيلحظ جناب القدس فقط. وان لحظ نفسه، فمن حيث هي لاحظة، وهناك يحق الوصول» .

بل هي ذوق ويأتي بمثل من ولد اعمى واستطاع ان يتعرف على كلّ شيء بحيث انه لما فتح بصره لم يجد فرقا بين ما ادرك وما يشاهده الآن.

فهذه الاحوال التي وصفها انما اراد بها ان تكون له ذوقا، لا على سبيل الادراك النظري المستخرج بالمقاييس وتقديم المقدمات وانتاج النتائج. وان اردت مثالا يظهر لك به الفرق بين ادراك هذه الطائفة وادراك سواها، فتخيل حال من خلق مكفوف البصر، الا انه جيد الفطرة، قوي الحدس، ثابت الحفظ، مسدد الخاطر، فنشأ منذ كان في بلدة من البلدان، وما زال يتعرف اشخاص الناس بها، وكثيرا من انواع الحيوان والجمادات وسكك المدينة ومسالكها وديارها واسواقها، بما له من ضروب الادراكات الأخر، حتى صار يمشي في تلك المدينة بغير دليل، ويعرف كل من يلقاه ويسلم عليه بأول وهلة. وكان يعرف الالوان وحدها بشروح اسمائها، وبعض حدود تدل عليها. ثم انه بعد ان حصل على هذه الرتبة، فتح بصره، وحدثت له الرؤية البصرية، فمشى في تلك المدينة كلها وطاف بها، فلم يجد امرا على اختلاف ما كان يعتقده، ولا انكر من امرها شيئا. وصادف الالوان على نحو صدق الرسوم عنده التي كانت رسمت له بها، غير انه في ذلك كله حدث له امران عظيمان، احدهما تابع للاخر، وهما: زيادة الوضوح، والانبلاج واللذة العظيمة.

(1) هذا كلام ابن سينا، والمتصوفة اجمالا مجمعون على وصولهم الى هذه الحالة، حالة الكشف والاتصال بالله الذي يطلقون عليه اسم «الحق» اي الموجود الحقيقي، اذ في رأيهم كل موجود آخر سواه ليس له وجود حقيقي بذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت