ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور قبله، فاذا عدم الجسم ذلك القبول
ولم يكن له معنى. وتقوى عنده هذا الظن بما قد كان بان له من ان ذات الحق عز وجل لا تتكثر بوجه من الوجوه، وان علمه بذاته هو ذاته بعينها. فلزم عنده من هذا ان من حصل عنده العلم بذاته، فقد حصلت عنده ذاته، وقد كان حصل عنده العلم، فحصلت عنده الذات. وهذه الذات لا تحصل الا عند ذاتها، ونفس حصولها هو الذات، فاذن هو الذات بعينها.
وكذلك جميع الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقة التي كان يراها اولا كثيرة، وصارت عنده بهذا الظن شيئا واحدا.
وكادت هذه الشبهة ترسخ في نفسه لولا ان تداركه الله برحمته، وتلافاه بهدايته:
فعلم ان هذه الشبهة انما ثارت عنده من بقايا ظلمة الاجسام، وكدورة المحسوسات.
فان الكثير والقليل، والواحد والوحدة، والجمع والاجتماع، والافتراق، هي كلها من صفات الاجسام. وتلك الذوات المفارقة العارفة بذات الحق، عزّ وجلّ، لبراءتها عن المادة، لا يجب ان يقال انها كثيرة، ولا واحدة، لان الكثرة انما هي مغايرة الذوات بعضها لبعض، والواحدة ايضا لا تكون الا بالاتصال. ولا يفهم شيء من ذلك الا في المعاني المركبة الملتبسة بالمادة.
غير ان العبارة في هذا الموضع قد تضيق جدا، لانك ان عبرت عن تلك الذوات المفارقة بصيغة الجمع، حسب لفظنا هذا، او هم ذلك معنى الكثرة فيها، وهي بريئة عن الكثرة. وان انت عبرت بصيغة الافراد، اوهم ذلك معنى الاتحاد، وهو مستحيل عليها. وكأني بمن يقف على هذا الموضع من الخفافيش، الذين تظلم الشمس في اعينهم، يتحرك في سلسلة جنونه، ويقول: لقد افرطت في تدقيقك حتى انك قد انخلعت عن غريزة العقلاء، واطرحت حكم المعقول، فان من احكام العقل ان الشيء اما
واحد واما كثير. فليتئد في غلوائه، وليكف من غرب لسانه، وليتهم نفسه، وليعتبر بالعالم المحسوس الخسيس الذي هو بين اطباقه، بنحو ما اعتبر به «حيّ بن يقظان» ، حيث كان ينظر فيه بنظر آخر، فيراه كثيرا كثرة لا تنحصر، ولا تدخل تحت حد. ثم ينظر فيه بنظر آخر، فيراه واحدا.