فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 93

وبقي على حالته تلك حتى أناف على سبعة أسابيع من منشئه، وذلك خمسون عاما. وحينئذ اتفقت له صحبة أسال، وكان من قصته معه ما يأتي ذكره بعد هذا ان شاء الله تعالى.

ذكروا ان جزيرة قريبة من الجزيرة التي ولد بها «حيّ بن يقظان» ، على احد القولين المختلفين في صفة مبدأه، انتقلت اليها ملة من الملل الصحيحة، المأخوذة عن بعض الانبياء المتقدمين، صلوات الله عليهم، وكانت ملة محاكية لجميع الموجودات الحقيقية بالامثال المضروبة التي تعطي خيالات تلك الأشياء، وتثبت رسومها في النفوس، حسبما جرت به العادة في مخاطبة الجمهور. فما زالت تلك الملة تنتشر بتلك الجزيرة، وتقوى وتظهر، حتى قام بها ملكها وحمل الناس على التزامها.

وكان قد نشأ بتلك الجزيرة فتيان من اهل الفضل والرغبة في الخير، يسمى احدهما آسال، والآخر سلامان. فتلقيا تلك الملة، وقبلاها احسن قبول، واخذا على انفسهما بالتزام جميع شرائعها، والمواظبة على جميع اعمالها، واصطحبا على ذلك.

وكانا يتفقهان في بعض الاوقات فيما ورد من الفاظ تلك الشريعة في صفة الله عز وجل وملائكته، وصفات المعاد والثواب والعقاب. فأما آسال، فكان اشد غوصا على الباطن، واكثر عثورا على المعاني الروحانية، واطمع في التأويل. واما سلامان صاحبه، فكان اكثر احتفاظا بالظاهر، واشد بعدا عن التأويل، واوقف عن التصرف والتأمل. وكلاهما مجد في الاعمال الظاهرة، ومحاسبة النفس، ومجاهدة الهوى. وكان في تلك الشريعة اقوال تحمل على العزلة والانفراد، وتدل على ان الفوز والنجاة فيهما واقوال أخر تحمل على المعاشرة، وملازمة الجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت