فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 93

غير ان العبارة في هذا الموضع قد تضيق جدا، لانك ان عبرت عن تلك الذوات المفارقة بصيغة الجمع، حسب لفظنا هذا، او هم ذلك معنى الكثرة فيها، وهي بريئة عن الكثرة. وان انت عبرت بصيغة الافراد، اوهم ذلك معنى الاتحاد، وهو مستحيل عليها. وكأني بمن يقف على هذا الموضع من الخفافيش، الذين تظلم الشمس في اعينهم، يتحرك في سلسلة جنونه، ويقول: لقد افرطت في تدقيقك حتى انك قد انخلعت عن غريزة العقلاء، واطرحت حكم المعقول، فان من احكام العقل ان الشيء اما

واحد واما كثير. فليتئد في غلوائه، وليكف من غرب لسانه، وليتهم نفسه، وليعتبر بالعالم المحسوس الخسيس الذي هو بين اطباقه، بنحو ما اعتبر به «حيّ بن يقظان» ، حيث كان ينظر فيه بنظر آخر، فيراه كثيرا كثرة لا تنحصر، ولا تدخل تحت حد. ثم ينظر فيه بنظر آخر، فيراه واحدا.

وبقي في ذلك مترددا، ولم يمكنه ان يقطع بأحد الوصفين دون الآخر.

هذا، فالعالم المحسوس منشأه الجمع والافراد، وفيه تفهم حقيقته، وفيه الانفصال والاتصال، والتحيز والمغايرة، والاتفاق والاختلاف. فما ظنه بالعالم الالهي الذي لا يقال فيه كل ولا بعض، ولا ينطق في امره بلفظ من الالفاظ المسموعة، الا وتوهم فيه شيء على خلاف الحقيقة، فلا يعرفه الا من شاهده ولا تثبت حقيقته، الا عند من حصل فيه.

واما قوله: «حتى انخلعت عن غريزة العقلاء، واطرحت حكم المعقول» ، فنحن نسلم له ذلك، ونتركه مع عقله وعقلائه. فان العقل الذي يعنيه هو وامثاله، انما هو القوة الناطقة التي تتصفح اشخاص الموجودات المحسوسة، وتقتنص منها المعنى الكلي. والعقلاء الذين يعنيهم، هم ينظرون بهذا النظر. والنمط الذي كلامنا فيه فوق هذا كله، فليسد عنه سمعه من لا يعرف سوى المحسوسات وكلياتها، وليرجع الى فريقه الذين « {يَعْلَمُونَ ظََاهِرًا مِنَ الْحَيََاةِ الدُّنْيََا، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غََافِلُونَ} » [1] .

فان كنت ممن يقتنع بهذا النوع من التلويح والاشارة الى ما في العالم الالهي، ولا تحمل الفاظا من المعاني على ما جرت العادة بها في تحميلها اياه، فنحن نزيدك شيئا مما شاهده «حي بن يقظان» في مقام الصدق الذي تقدم ذكره، فنقول:

الجزء السادس: سلسلة الفيوضات

انه بعد الاستغراق المحض، والفناء التام، وحقيقة الوصول، شاهد الفلك الاعلى الذي لا جسم له، ورأى ذاتا بريئة عن المادة، ليست هي ذات الواحد الحق،

(1) سورة الروم الآية 7

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت