واذا لم يكن جسما، فصفات الاجسام كلها تستحيل عليه. واول صفات الاجسام هو الامتداد في الطول والعرض والعمق، وهو منزه عن ذلك، وعن جميع ما يتبع هذا الوصف من صفات الاجسام. واذا كان فاعلا للعالم، فهو لا محالة قادر عليه وعالم به «الا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير» (سورة الملك، آية 14) .
ولما كانت الاجسام متناهية كانت هذه القوة متناهية ايضا. ولكن للفلك حركة لا نهاية لها فمحرك العالم ليس بجسم.
ورأى ايضا انه ان اعتقد قدم العالم، وان العدم لم يسبقه، وانه لم يزل كما هو، فان اللازم عن ذلك ان حركته قديمة، لا نهاية لها من جهة الابتداء، اذ لم يسبقها سكون يكون مبدأها منه. وكل حركة فلا بد لها من محرك ضرورة. والمحرك اما ان يكون قوة سارية في جسم من الاجسام اما جسم المتحرك نفسه، واما جسم آخر خارج عنه واما ان يكون قوة ليست سارية ولا شائعة في جسم. وكل قوة سارية في جسم وشائعة فيه، فانها تنقسم بانقسامه، وتتضاعف بتضاعفه، مثل الثقل في الحجر مثلا، المحرك له الى اسفل: فانه ان قسم الحجر نصفين، انقسم ثقله نصفين، وان زيد عليه آخر مثله، زاد في الثقل آخر مثله، فان امكن ان يتزايد الحجر ابدا الى غير نهاية، كان تزايد هذا الثقل الى غير نهاية وان وصل الحجر الى حد ما من العظم ووقف، وصل الثقل الى ذلك الحد ووقف. لكنه قد تبرهن ان كل جسم لا محالة متناه، فاذن كل قوة في جسم لا محالة متناهية فإن وجدنا قوة تفعل فلا لا نهاية له، فهي قوة ليست في جسم. وقد وجدنا الفلك يتحرك ابدا حركة لا نهاية لها ولا انقطاع، اذ فرضناه قديما لا ابتداء له فالواجب على ذلك ان تكون القوة التي تحركه ليست في جسمه، ولا في جسم خارج عنه. فهي اذن لشيء بريء من الاجسام، وغير موصوف بشيء من اوصاف الجسمية. وقد كان لاح له، في نظره الأول في عالم الكون والفساد، ان حقيقة وجود كل جسم انما هي من جهة صورته التي هي استعداده لضروب الحركات وان وجوده الذي له من جهة مادته وجود ضعيف لا يكاد يدرك. فاذن وجود العالم كله انما هو من جهة استعداده لتحريك هذا المحرك البريء عن المادة، وعن صفات الاجسام، المنزه عن ان يدركه حس، او يتطرق اليه خيال سبحانه واذا كان فاعلا لحركات الفلك، على اختلاف انواعها، فعلا لا تفاوت فيه ولا فتور، * فهو لا محالة قادر عليه وعالم به.
النتيجة: فما يتعلق بالقدم او الحدوث، لا يرجح قولا على قول.
فانتهى نظره بهذا الطريق الى ما انتهى اليه بالطريق الأول، ولم يضره في ذلك تشككه في قدم العالم او حدوثه. وصحّ له على الوجهين جميعا وجود فاعل غير جسم، ولا متصل بجسم، ولا منفصل عنه، ولا داخل فيه، ولا خارج عنه اذ الاتصال، والانفصال، والدخول، والخروج، هي كلها من صفات الاجسام وهو منزه عنها.