ولما كان الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، شديد الاعتدال، لانه الطف من الارض والماء، واغلظ من النار والهواء، صار في حكم الوسط، ولم يضاده شيء من الاسطقسات مضادة بينة، فاستعد بذلك لصورة الحيوانية. فرأى ان الواجب على ذلك ان يكون اعدل ما في هذه الارواح الحيوانية مستعدا لاتم ما يكون من الحياة في عالم الكون والفساد وان يكون ذلك الروح قريبا من ان يقال انه لا ضد لصورته فيشبه لذلك هذه الاجسام السماوية التي لا ضد لصورها. ويكون روح ذلك الحيوان وكأنه وسط بالحقيقة، بين الاسطقسات التي لا تتحرك الى جهة العلو على الاطلاق، ولا الى جهة السفل بل لو امكن ان يجعل في وسط المسافة التي بين المركز واعلى ما تنتهي اليه النار في جهة العلو، ولم يطرأ عليه فساد، لثبت هناك، ولم يطلب الصعود ولا النزول. ولو تحرك في المكان لتحرك حول الوسط، كما
تتحرك الاجسام السماوية ولو تحرك في الوضع لتحرك على نفسه، وكان كروي الشكل، اذ لا يمكن غير ذلك. فاذن هو شديد الشبه بالاجسام السماوية.
اولا: ان له جسما يشترك فيه مع باقي الكائنات.
ثانيا: ان له نفسا يشترك بها مع انفس الكواكب.
ثالثا: وان له روحا عاقلة اعتقد انها من روح الله (هنا اقترب حي من التصوف) .
ولما كان قد اعتبر احوال الحيوان، ولم ير فيها ما يظن به انه شعر بالموجود الواجب الوجود، وقد كان علم من ذاته انها قد شعرت به، قطع بذلك على انه هو الحيوان المعتدل الروح، الشبيه بالاجسام السماوية كلها وتبين له انه نوع مباين لسائر انواع الحيوان وانه انما خلق لغاية اخرى، واعد لامر عظيم، لم يعد له شيء من انواع الحيوان وكفى به شرفا ان يكون اخس جزأيه وهو الجسماني اشبه الأشياء بالجواهر السماوية، الخارجة عن عالم الكون والفساد، المنزهة عن حوادث النقص والاستحالة والتغير. واما اشرف جزأيه، فهو الشيء الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، وهذا الشيء العارف امر رباني إلهي، لا يستحيل، ولا يلحقه الفساد، ولا يوصف بشيء مما توصف به الاجسام ولا يدرك بشيء من الحواس ولا يتخيل ولا يتوصل الى معرفته بآلة سواه، بل يتوصل اليه به. فهو العارف والمعروف والمعرفة، وهو العالم والمعلوم والعلم لا يتباين في شيء من ذلك، اذ التباين والانفصال من صفات الاجسام ولواحقها ولا جسم هنالك، ولا صفة جسم، ولا لاحق بجسم.
وافهمه ان ذاته مباينة لذات الحق وكان ذلك عن طريق الاشراق. فيحاول ان يتشبه بواجب الوجود.
فلما تبين له الوجه الذي اختص به من بين سائر اصناف الحيوان، بمشابهة الاجسام السماوية، رأى ان الواجب عليه ان يتقبلها ويحاكي افعالها، ويتشبه بها جهده.
وكذلك رأى انه بجزئه الاشرف الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، فيه شبه ما منه، من حيث هو منزه عن صفات الاجسام كما ان الواجب الوجود منزه عنها.
ورأى ايضا انه يجب عليه ان يسعى في تحصيل صفاته لنفسه، من اي وجه امكن وان يتخلق باخلاقه، ويقتدي بافعاله، ويجد في تنفيذ ارادته، ويسلم الامر له، ويرضى بجميع حكمه رضا من قلبه ظاهرا وباطنا، بحيث يسر به وان كان مؤلما لجسمه، وضارا به، ومتلفا لبدنه بالجملة.