فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 93

ثم انه تتبع الصور التي كان قد علمها قبل ذلك، صورة صورة، فرأى انها كلها حادثة، وانها لا بد لها من فاعل. ثم انه نظر الى ذوات الصور، فلم ير انها شيء اكثر من استعداد الجسم لان يصدر عنه ذلك الفعل، مثل الماء، فانه اذا افرط عليه التسخين، استعد للحركة الى فوق وصلح لها. فذلك الاستعداد هو صورته اذ ليس هاهنا الا جسم، واشياء تحس عنه، بعد ان لم تكن، مثل الكيفيات، والحركات وفاعل يحدثها بعد ان لم تكن. فصلوح الجسم لبعض الحركات دون بعض، هو استعداده بصورته. ولاح له مثل ذلك في جميع الصور. فتبين له ان الافعال الصادرة عنها ليست في الحقيقة لها، وانما هي لفاعل يفعل بها الافعال المنسوبة

اليها. وهذا المعنى الذي لاح له، هو قول رسول الله (صلعم) : «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به [1] » ، وفي محكم التنزيل: « {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وَلََكِنَّ اللََّهَ قَتَلَهُمْ، وَمََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلََكِنَّ اللََّهَ رَمى ََ} » [2] .

فلما لاح له من امر هذا الفاعل ما لاح على الاجمال دون تفصيل، حدث له شوق حثيث الى معرفته على التفصيل، وهو بعد لم يكن فارق عالم الحس. فجعل يطلب هذا الفاعل المختار على جهة المحسوسات، وهو لا يعلم بعد هل هو واحد او كثير.

فتصفح جميع الاجسام التي لديه، وهي التي كانت فكرته ابدا فيها، فرآها كلها تتكون تارة، وتفسد اخرى. وما لم يقف على فساد جملته، وقف على فساد اجزائه مثل الماء، والارض، فانه رأى اجزاءهما تفسد بالنار، وكذلك الهواء رآه يفسد بشدة البرد حتى يتكون منه ثلج، فيسيل ماء وكذلك سائر الاجسام التي كانت لديه، لم ير منها شيئا بريئا عن الحدوث والافتقار الى الفاعل المختار. فاطرحها كلها، وانتقلت فكرته الى الاجسام السماوية.

وانتهى الى هذا النظر على رأس اربعة اسابيع من منشئه، وذلك ثمانية وعشرون عاما.

الجزء الرابع: حي يرتقي من تفكيره في عالم الكون والفساد الى التأمل في السماء والعالم بأسره

فعلم ان السماء وما فيها من الكواكب، اجسام، لانها ممتدة في الاقطار الثلاثة:

(1) قطعة من حديث قال فيه الحافظ بن رجب: «هذا الحديث تفرد باخراجه البخاري دون بقية اصحاب الكتب» .

(2) قرآن كريم سورة الانفال الآية 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت