اما التشبيه الأول: فلا يحصل له به شيء من هذه المشاهدة، بل هو صارف عنها وعائق دونها اذ هو تصرف في الامور المحسوسة، والامور المحسوسة كلها حجب
معترضة دون تلك المشاهدة وانما احتيج الى هذا التشبيه لاستدامة هذا الروح الحيواني الذي يحصل به التشبه الثاني بالاجسام السماوية. فالضرورة تدعو اليه من هذا الطريق، ولو كان لا يخلو من تلك المضرة.
واما التشبيه الثاني: فيحصل له به حظ عظيم من المشاهدة على الدوام، لكنها مشاهدة يخالطها شوب، اذ من يشاهد ذلك النحو من المشاهدة على الدوام، فهو مع تلك المشاهدة يعقل ذاته ويلتفت اليها حسبما يتبين بعد هذا.
واما التشبيه الثالث: فتحصل به المشاهدة الصرفة، والاستغراق المحض الذي لا التفات فيه بوجه من الوجوه الا الى الموجود الواجب الوجود. والذي يشاهد هذه المشاهدة قد غابت عنه ذات نفسه، وفنيت، وتلاشت.
وكذلك سائر الذوات، كثيرة كانت او قليلة، الا ذات الواحد الحق الواجب الوجود جل وتعالى وعز.
فلما تبين له ان مطلوبه الاقصى هو هذا التشبه الثالث، وانه لا يحصل له الا بعد التمرن والاعتمال مدة طويلة في التشبه الثاني، وان هذه المدة لا تدوم له الا بالتشبه الأول وعلم ان التشبه الأول وان كان ضروريا، فانه عائق بذاته، وان كان معينا بالعرض لا بالذات، لكنه ضروري الزم نفسه ان لا يجعل لها حظا من هذا التشبه الأول الا بقدر الضرورة، وهي الكفاية التي لا بقاء للروح الحيواني بأقل منها.
ووجد ما تدعو اليه الضرورة في بقاء هذا الروح امرين:
احدهما: ما يمده به من داخل، ويخلف عليه بدل ما يتحلل منه، وهو الغذاء.