ثم اتصل بأبي يعقوب يوسف، صاحب المغرب، وصحبه حتى صار طبيبه الخاص، ووزيره. وكان ابو يعقوب محبا للعلم والحكمة والفلسفة اكثر من الأدب، فجمع من كتب الحكماء شيئا كثيرا. لذلك كان ابو يعقوب يحب ابن طفيل حبا عظيما، وكان ابن طفيل يقيم في قصره اياما طويلة من غير ان يخرج منه. وكان لابن طفيل اثر في توجيه سياسة خلفاء عبد المؤمن. فلعب دورا كبيرا في بلاط ابي يعقوب. فجمع ابن طفيل الى بلاط الامير كثيرا من العلماء في كل فن ومن جميع الاقطار، منهم ابو الوليد بن رشد. وكان ابو يعقوب قد طلب يوما من ابن طفيل ان يرشده الى رجل خبير بكتب ارسطو، ليظهر له ما خفي عليه من معانيها، فهداه الى ابن رشد. ومما قاله ابن طفيل لابن رشد حينئذ:
«انك اقوى مني عزما، فعليك بكتب ارسطو، واعتقد انك ستأتي عليها لاني اعرف سمو عقلك، ووضوح فكرك وتجلدك. اما انا فان كبر سني واشتغالي بخدمة أمير المؤمنين، وصرف عنايتي، كل ذلك يمنعني من الاقدام على هذا الامر» .
وكان اجتماع ابن رشد بابن طفيل عند الخليفة ابي يعقوب بن عبد المؤمن سنة 1169م وكان ابن طفيل قد بلغ اذ ذاك 63او 68سنة من عمره. ولولا كبر سنه لاقدم بنفسه على شرح كتب ارسطو.
وقد عاش ابن طفيل في قصر ابي يعقوب مكرّما معززا. وكان ابو يعقوب عالما بآرائه في الدين والفلسفة. وفي سنة 1182م عهد ابو يوسف الى ابن رشد في العناية به، واتخذه طبيبا له. اما ابن طفيل فقد احتفظ بالوزارة، وقد بقي في خدمة ابي يعقوب الى ان توفي ابو يعقوب في حرب الافرنج سنة 580هـ. ولما قام بعده بالامر ولده ابو يوسف يعقوب، الملقب بالمنصور، مكث ابن طفيل في خدمته. وكان المنصور محبا للحكمة كأبيه. وقد احب المنصور وزير ابيه، وابقاه في خدمته، واكرمه الى ان مات في مراكش سنة 581هـ / 1185م، وذلك بعد وفاة ابي يعقوب بسنة. فاحتفل بدفنه احتفالا مهيبا، وسار السلطان ابو يوسف يعقوب نفسه في جنازته [1] .
(1) المراجع: ابن خلكان: وفيات الاعيان ج 2، 492وما بعدها.
لسان الدين بن الخطيب: مركز الاحاطة بأدباء غرناطة (مخطوطة المكتبة الوطنية) باريس رقم 3347 الورقة 44: ابن طفيل.
جميل صليبا وكامل عياد: حي بن يقظان لابن طفيل دمشق 1935و 1939م::، / 9091.