وقد كتب العالم الإنجليزي هربرت سبنسر في كتاب أصول علم الاجتماع:
إذا طرء على الأمة حالة اجتاحت رجالها بالحروب، ولم يكن لكل رجل من الباقين إلا زوجة واحدة وبقيت نساء عديدات بلا أزواج؛ ينتج من ذلك نقص في عدد المواليد لا محالة، ولا يكون عددهم مساويًا لعدد الوفيات. فإذا تقابلت أمتان مع فرض أنهما متساويتان في كل الوسائل المعيشية، وكانت إحداهما لا تستفيد من جميع نسائها بالاستيلاد، فلا تستطيع أن تقاوم خصيمتها التي يستولد رجالُها جميعَ نسائها، وتكون النتيجة أن الأمة الموحدة للزوجات تفنى أمام الأمة المعددة للزوجات.
14 -إن نظام التعدد نظام أخلاقي إنساني، أما إنه أخلاقي فلأنه لا يسمح للرجل بأي حال من الأحوال أن يتصل بأكثر من أربع نساء، وهذا الاتصال لا يكون سرًا بأي واحدة منهن، بل لابد أن يكون عن طريق إجراء عقد وإعلان هذا العقد، ولابد من أن يعلم أولياء المرأة بهذا الاتصال الشرعي ويوافقون عليه، ويسجل هذا العقد طبقًا للتنظيم الحديث في محكمة مخصصة لعقود الزواج، وأن يشهر هذا الاتصال وسط جمع من الناس بكل فرح وإكرام فخلق المسلم يحتم عليه ذلك، وأما أنه نظام إنساني فلأن الرجل يقوم بدور فعال في المجتمع عن طريق تخفيفه من أعباء المجتمع؛ بأن يتحمل مسئولية امرأة ويكون زوجًا لها وينقلها إلى مصاف الزوجات المحصنات، ومقابل اتصاله بها؛ فإنه يدفع مهرًا ونفقات وأثاثًا يعادل فائدته الاجتماعية من بناء خلية اجتماعية تنتج للأمة نسلًا عاملًا، وإنه ليتحمل قسطًا من أعباء حملها فلا يخلى بينها وبين متاعب حملها، بل ينفق عليها أثناء حملها وولادتها، وإنه ليعترف بالأولاد الذين أنجبهم منها، ويعتز بهم، وتعتز بهم أمته في المستقبل. إن نظام التعدد يحدد الإنسانُ فيه شهوته إلى قدر محدود، ولكنه يضاعف أعباءه ومتاعبه إلى قدر غير محدود، فهو لا جرم نظام أخلاقيٌ يحفظ الأخلاق، إنساني يشرف الإنسان.
15 -إن الشريعة قد حرمت الزنا، وضيقت في تحريمه؛ لما يجر إليه من الفساد في الأخلاق، والأنساب، ونظام العائلات، فناسب أن توسع على الناس في تعدد النساء لمن كان من الرجال ميالًا إلى التعدد مجبولًا عليه.