ولو قدر على الإنفاق على زوجة واحدة فقط لا يحل له شرعًا أن يتزوج من ثانية لأن هذا يعتبر ظلمًا للثانية، ويوصف الرجل عندئذ بعدم المبالاة بحقوق الغير، وقد اتفق الفقهاء على هذين الشرطين العدالة والقدرة على الإنفاق، لا بد من توافرهما لكل من يريد الزواج وعنده زوجة، لكن إذا حصل وتزوج مع فقد هذين الشرطين أو أحدهما فالزواج صحيح مع الإثم، بمعنى أن اللَّه سيحاسبه على الظلم وعدم القيام بتكاليف الزواج.
وإنما حكم العلماء بصحة الزواج مع الإثم لما يلي:
(1) هذان الشرطان ليسا من شروط صحة الزواج، وفساد العقود وصحتها يرتبطان بأمور واقعة لا بأمور متوقعة، ولو حكمنا بفساد العقد لخشية الظلم أو لعدم الإنفاق لحكمنا بفساد العقد لأمر متوقع قد يقع وقد لا يقع.
(2) إن خوف الظلم أمر نفسي، وأحكام العقود بالصحة والفساد لا يصح أن ترتبط بأمور نفسية خفية لا تجري عليها أحكام القضاء، والقدرة على الإنفاق أمر يتصل بالرزق، والرزق أمره عند علام الغيوب، فليس لأحد أن يجئ إلى عاقدين علم كل منهما بأمر صاحبه وقدرته وقد رضيا بالزواج؛ فيقول لهما لا تتزوجا، أو الزواج بينكما غير صحيح؛ لأنه في المستقبل لا يستطيع الإنفاق عليها. اهـ (3)
الضابط الثالث:
ومن ضوابط التعدد أن لا يزيد على أربع إلا ما كان من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فهذه خصوصية له قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} (النساء: 3) .
وهذه مسألة مجمع عليها بين علماء أهل السنة والجماعة وقد نقل الإجماع فيها الحافظ ابن حجر، وابن قدامة، وابن كثير، وابن حزم، إلا ما استنفره من لا حظ له في الإسلام، أو رافضي ونحوه، ومن أسلم وتحته أكثر من أربع أُمِرَ بفراق ما زاد على الأربع، ولا يشترط أن يفارق الأخريات بعينهن أو الأوليات، بل يفارق مَنْ شاء بشرط ألا يزيد ما تحته على أربع نسوة.
أما إذا كان مسلمًا وعنده أربع نسوة وعقد على خامسة أُمر بفراقها؛ لأن عقدها فاسد إلا إذا طلق إحدى الأربع وانقضت عدتها.
الضابط الرابع:
عدم الجمع بين الأختين، أو البنت وعمتها، أو خالتها، نسبًا أو رضاعًا لقوله تعالى: