محض انتهى إليها المجتمع الجديد بعد تجارب عدة من القرون.
بعد أن بينا في مقالنا السالف تاريخ تعدد الزوجات في العالم بإسهاب نعود
اليوم فنذكر أن أكبر غلطة يرتكبها الكتاب المسيحيون في هذا العصر هي ما
يزعمونه من أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو أول من شرع تعدد الزوجات للخلق
وأجازه لهم، نعم إنه بطل اليوم رأي القائلين بأن محمدًا هو أول من أوجد تعدد
الزوجات في العالم وأول من قال به، لا لأن هذا الرأي قد ظهر أنه مخالف للحقيقة
والتاريخ فقط، بل لأن من يقول به لنا يلصق بنفسه تهمة الجهل الفاضح بأساس
هذه المسألة الاجتماعية القديمة، أقول: نعم إنه بطل اليوم هذا الرأي ولكن زعمهم
أن النبي أجاز هذه العادة وصرح بها كما ذكرنا ما زال مذهب المسيحيين عمومًا
والمتعلمين منهم خصوصا ولسنا في حاجة إلى القول بأن هذا زعم فاسد باطل كما
سنبينه بعد.
إن محمدًا صلى الله عليه وسلم وجد تعدد الزوجات عادة معمولاً بها بين قومه
كما وجدها معمولاً بها في كافة الأصقاع المجاورة لبلاده. نعم إن الإمبراطورية
المسيحية حاولت بما وضعته من القوانين أن تضع حدًّا لتلك الحالة المحزنة كما
ذكرنا في الفصل السالف، ولكن نتيجة هذا العمل كانت على غير ما يراه أصحاب
هذه القوانين، فإن تعدد الزوجات سار في تياره القديم بغير انقطاع، ونساء الرجل
الواحد خلا الأولى منهن بقين على حالتهن الأولى من التعاسة والشقاء.
أما في بلاد الفرس فقد كان سقوط الآداب وانحطاطها حوالي الوقت الذي ظهر
فيه النبي أمرًا موجبًا للدهشة والحزن معا، فإنه لم يكن ثم قانون للزواج مطلقا،
وإذا كان ثم قانون من هذا القبيل فقد كان مهملاً وغير معمول به أصلاً. ولما كانت
قوانين البلاد لم تحدد على كل حال العدد الذي يقف الرجل عنده في الزواج كان
من أمر الفارسيين أن استمرءوا هذا المرعى الخصيب وصار الرجل منهم يتخذ ما
شاء من الزوجات، زائدًا على السراري والحظيات (رولنجر صحيفة 406) .
ولقد كان بين العرب الأقدمين واليهود عدا ما قلناه من عادة تعدد الزوجات
عادة أخرى هي الزواج بشروط مخصوصة، وكذا الزواج لمدة معينة، ولا ريب