وقوله: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] أي: يحبط عملك ويبطل وأنت لا تدري، فهذه المسألة من الأشياء الدقيقة التي ينبغي التنبه لها، فمع كونه صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ لكن لا تغرّنك هذه الصفات وتجعلك تساويه بغيره في النداء، بل احتفظ له صلى الله عليه وسلم بمنزلته ومهابته وكرامته، ولا تجعله مثلك في الخطاب، مثل رجل يُدلل الخادم فيغتر الخادم بذلك، حتى أن سيده يناديه فلا يجيب.
لذلك الرجل العربي دخل على قوم لا يعرفهم ولا يعرفونه. فقال: السلام عليكم قوم حَسُنتْ أخلاقهم، قالوا: وكيف علمت حُسْن أخلاقنا؟ قال: عرفت حُسن أخلاقكم من سوء أخلاق عبيدكم، أي: أنهم يُدلِّلون العبيد ولا يعاقبونهم.
وقد ورد عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال:"خدمت النبي صلى الله عليه وسلم، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟".
ثم يقول الحق سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ... } [الحجرات: 3] .
معنى {يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ .. } الحجرات: 3] يخفضونها ويُخافتون بها في حضرته صلى الله عليه وسلم، احتراماً له وتكريماً.
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى .. } [الحجرات: 3] أي: صفّاها وأخلصها لتكون محلاً للتقوى وللطاعة، ولحمل منهج رسول الله إلى الناس كافة، فهم مُؤهَّلون لحمل هذه الرسالة بعد أنْ نقَّى الله قلوبهم وطهرها وصفَّاها من الخبث، ونفى عنها أمراض الرياء والنفاق وضعف الإيمان.
لقد صهرتهم الأحداث في بوتقة الشدائد، بحيث لم يَبْقَ في صفوف الإيمان إلا أقوياء العقيدة القادرون على حمل أمانة هذه الدعوة.
لذلك قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً .. } [البقرة: 143] فالرسول يشهد أنه بلّغنا، ونحن نشهد أننا بلغنا الناس. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...