وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ: مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا حُمِلَ عَلَيْهِ، وَمَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا بِأَنْ وُضِعَ لِأَشْيَاءَ مُتَمَاثِلَةٍ؛ كَالسَّوَادِ حُمِلَ عَلَى الْجِنْسِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَإِنْ وُضِعَ لِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَإِنْ ظَهَرَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ حُمِلَ عَلَى الظَّاهِرِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ، وَإِنِ اسْتَوَيَا، سَوَاءً كَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِيهِمَا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةً وَفِي الْآخَرِ مَجَازًا كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ وَاللَّمْسِ، فَإِنْ تَنَافَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مُجْمَلٌ، فَيُطْلَبُ الْبَيَانُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَافَ، فَقَدْ مَالَ قَوْمٌ إِلَى الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، وَالْوَجْهُ التَّوَقُّفُ فِيهِ، لِأَنَّهُ مَا وُضِعَ لِلْجَمِيعِ، بَلْ وُضِعَ لِآحَادِ مُسَمَّيَاتٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَادِّعَاءُ إِشْعَارِهِ بِالْجَمِيعِ بِعِيدٌ؛ نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ جَمِيعَ الْمَحَامِلِ، وَلَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ عَقْلًا، وَفِي مِثْلِ هَذَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَا.
[فَصْلٌ: قَدْ يُنْفَى الشَّيْءُ وَيُثْبَتُ بِاعْتِبَارَيْنِ]
وَقَدْ يُنْفَى الشَّيْءُ وَيُثْبَتُ نَحْوُ قَوْلِهِ (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) بِاعْتَبَارَيْنِ كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (الْأَنْفَالِ: 17) ثُمَّ أَثْبَتُهُ لِسِرٍّ غَامِضٍ؛ وَهُوَ أَنَّ الرَّمْيَ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ عَنَى بِهِ الرَّمْيَ بِالرُّعْبِ، وَالثَّانِيَ عَنَى بِهِ بِالتُّرَابَ حِينَ رَمَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وُجُوهِ أَعْدَائِهِ بِالتُّرَابِ وَالْحَصَى، وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَانْهَزَمُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ يُخْبِرُهُ أَنَّ انْهِزَامَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ التُّرَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَا أَوْقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ.
[فَصْلٌ: فِي الْإِجْمَالِ ظَاهِرًا وَأَسْبَابِهِ]