وَقَدْ يَكُونُ الْكَلَامُ ظَاهِرًا فِي شَيْءٍ فَيُعْدَلُ بِهِ عَنِ الظَّاهِرِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (الْبَقَرَةِ: 197) وَالْأَشْهُرُ اسْمٌ لِثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (النِّسَاءِ: 11) فَالظَّاهِرُ اشْتِرَاطُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْإِخْوَةِ، لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ مِنْ خَارِجٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اثْنَانِ، لِأَنَّهُمَا يَحْجُبَانِهَا عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ.
[فَصْلٌ: فِي اشْتِرَاكِ اللَّفْظِ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ أَوْ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ]
قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ أَوْ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، وَيَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُضَارُّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} (الْبَقَرَةِ: 282) قِيلَ: الْمُرَادُ يُضَارِرْ، وَقِيلَ: يُضَارَرْ أَيِ الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ لَا يُضَارَرْ، فَيَكْتُمُ الشَّهَادَةَ وَالْخَطَّ؛ وَهَذَا أَظْهَرُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ دَعَا الْكَاتِبَ وَالشَّهِيدَ لَا يُضَارِرْهُ فَيَطْلُبُهُ فِي وَقْتٍ فِيهِ ضَرَرٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} (الْبَقَرَةِ: 233) فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا اللَّفْظِ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ أَمَّا إِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرِكِ فِي مَعْنَيَيْهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَبِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ قَدْ خُوطِبَ بِهِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً أُرِيدَ هَذَا وَمَرَّةً هَذَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ. أَيْ يُرِيدُ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ مُتَعَدِّدَةً، وَلَا يَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَصْلُحُ لِهَذَا وَلِهَذَا فَإِذَا كَانَتِ الْمَعَانِي لَيْسَتْ مُتَضَادَّةً بَلْ كُلُّهَا حَقٌّ صَلُحَ أَنْ يُقَالَ يُحْتَمَلُ مِنَ الْآيَةِ هَذَا وَهَذَا.