مِنْهَا: أَنَّهُ بِلُغَتِهِمْ. وَمِنْهَا: أَنَّ آحَادَ الْكَلِمَاتِ قَدْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي خَطِّهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، وَلَكِنْ تَمْتَازُ بِأُمُورٍ أُخَرَ؛ مِنْهَا غَرَابَةُ نَظْمِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَيْسَ مُشَابِهًا لِأَجْزَاءِ الشِّعْرِ وَأَوْزَانِهِ وَهَزَجِهِ وَرَجَزِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِهِ؛ فَأَمَّا تَوَالِي نَظْمِهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْأَفْصَحِ وَالْأَمْلَحِ؛ فَهَذَا مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُشَارَكَةُ لِكَلَامِهِمْ؛ فَبِذَلِكَ امْتَازَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ جَمِيعُهُ مَقْدُورًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا صُرِفَتْ دَوَاعِيهِمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ. انْتَهَى.
وَقَدْ سَبَقَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَسَالِيبِهِمْ أَلْبَتَّةَ فَيَبْقَى السُّؤَالُ بِحَالِهِ.
[تَنْبِيهٌ: فِي أَنَّ مَعْرِفَةَ مَقَامَاتِ الْكَلَامِ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالذَّوْقِ]
ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ: اعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْفَصِيحِ وَالْأَفْصَحِ، وَالرَّشِيقِ وَالْأَرْشَقِ، وَالْجَلِيِّ وَالْأَجْلَى، وَالْعَلِيِّ وَالْأَعْلَى مِنَ الْكَلَامِ أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالذَّوْقِ، وَلَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الدَّلَالَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ جَارِيَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا بَيْضَاءُ مُشْرَبَةٌ حُمْرَةً، دَقِيقَةُ الشَّفَتَيْنِ، نَقِيَّةُ الشَّعْرِ، كَحْلَاءُ الْعَيْنِ، أَسِيلَةُ الْخَدِّ، دَقِيقَةُ الْأَنْفِ، مُعْتَدِلَةُ الْقَامَةِ، وَالْأُخْرَى دُونَهَا فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَالْمَحَاسِنِ؛ لَكِنَّهَا أَحْلَى فِي الْعُيُونِ وَالْقُلُوبِ مِنْهَا، وَأَلْيَقُ وَأَمْلَحُ، وَلَا يُدْرَى لِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ بِالذَّوْقِ وَالْمُشَاهَدَةِ يُعْرَفُ، وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ.