إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ كَانَ مَجِيءُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِغَيْرِ الْأَفْصَحِ وَالْأَمْلَحِ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِمُعَارَضَتِهِ عَلَى الْمُعْتَادِ فَلَوْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ، لَكَانَ ذَلِكَ نَمَطًا غَيْرَ النَّمَطِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْإِعْجَازِ.
وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا جَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى نَهْجِ إِنْشَائِهِمُ الْخُطَبَ، وَالْأَشْعَارَ وَغَيْرَهَا، لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَكُّنُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ يَعْجِزُوا عَنْهَا، فَيَظْهَرَ الْفَلْجُ بِالْحُجَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا لَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: قَدْ أَتَيْتَ بِمَا لَا قُدْرَةَ لَنَا عَلَيْهِ؛ فَكَمَا لَا يَصِحُّ مِنْ أَعْمًى مُعَارَضَةُ الْمُبْصِرِ فِي النَّظَرِ لَا يَحْسُنُ مِنَ الْبَصِيرِ أَنْ يَقُولَ: غَلَبْتُكَ أَيُّهَا الْأَعْمَى بِنَظَرِي؛ فَإِنَّ لِلْأَعْمَى أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا تَتِمُّ لَكَ الْغَلَبَةُ لَوْ كُنْتُ أَنْظُرُ وَكَانَ نَظَرُكَ أَقْوَى مِنْ نَظَرِي؛ فَأَمَّا إِذَا فُقِدَ أَصْلُ النَّظَرِ فَكَيْفَ تَصِحُّ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَلَوْ كَانَتِ الْمُعْجِزَةُ شَيْئًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَأَمْثَالِهِ، فَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الِانْقِيَادِ؟.
قُلْتُ: هَذَا السُّؤَالُ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي الْكَلَامِ، وَإِنَّ أَسَالِيبَ الْأَنْبِيَاءِ تَقَعُ عَلَى نَهْجِ أَسَالِيبِ غَيْرِهِمْ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا ذَكَرْتَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَجْزَ الْعَرَبِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ إِنَّمَا كَانَتْ لِصَرْفِ دَعَاوِيهِمْ، مَعَ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ كَانَتْ مَقْدُورَةً لَهُمْ.
قُلْتُ: قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا أَرَاهُ حَقًّا، وَيَنْدَفِعُ السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ. وَإِنْ كَانَ الْإِعْجَازُ فِي الْقُرْآنِ بِأُسْلُوبِهِ الْخَاصِّ بِهِ؛ إِلَّا أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: بِأَنَّ الْمُعْجِزَ فِيهِ هُوَ الصَّرْفَةُ مَذْهَبُهُمْ أَنَّ جَمِيعَ أَسَالِيبِهِ جَمِيعًا لَيْسَ عَلَى نَهْجِ أَسَالِيبِهِمْ؛ وَلَكِنْ شَارَكَتْ أَسَالِيبَهُمْ فِي أَشْيَاءَ: