يَعْنِي أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَمَاهُنَّ أَهْلُ النِّفَاقِ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ اللَّعْنَةَ وَالْغَضَبَ , وَبَاءُوا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ. وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} . إِلَى قَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْجَلْدَ وَالتَّوْبَةَ، فَالتَّوْبَةُ تُقْبَلُ، وَالشَّهَادَةُ تُرَدُّ""
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، وَالْحُكْمُ بِهَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا فِيهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} كُلَّ مُحْصَنَةٍ غَافِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ رَمَاهَا رَامٍ بِالْفَاحِشَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّ بِذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَكُلُّ رَامٍ مُحْصَنَةً بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَمَلْعُونٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَلَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ قَبْلَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ دَلَّ بِاسْتِثْنَائِهِ بِقَوْلِهِ: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ رَامِي كُلِّ مُحْصَنَةٍ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتِ الْمُحْصَنَةُ الْمُؤْمِنَةُ الْمَرْمِيَّةُ، وَعَلَى أَنَّ قَوْلُهُ: {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} مَعْنَاهُ: لَهُمْ ذَلِكَ إِنْ هَلَكُوا وَلَمْ يَتُوبُوا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} فَـ الْيَوْمُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} مِنْ صِلَةِ قَوْلُهُ: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .