بَعْدَ الْأَمْرِ بِرَجْمِهِ . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، فَتَرَكَهُ وَقَالَ: لَأَنْ أَتْرُكُ حَدًّا بِالشُّبْهَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ أُقِيمَ حَدًّا بِالشُّبْهَةِ . وَوَافَقَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا ، وَلَيْسَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إِجْمَاعًا . وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِرُجُوعِهِ كَالرِّدَّةِ ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ بِالْقَوْلِ قِيَاسًا عَلَى رُجُوعِ الشُّهُودِ .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فِي"إِبْدَاءِ الصَّفْحَةِ": فَالرَّاجِعُ غَيْرُ مُبْدٍ لِصَفْحَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُبْدِئًا إِذَا قَامَ عَلَى إِقْرَارِهِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: هُمَا فَرْقٌ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْجَمْعِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تُدْرَأُ بِهَا . وَالثَّانِي: هُوَ أَنَّ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَنْ يُقِرَّ بِهَا ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ فِيهَا ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا التَّوْبَةُ مِنْهَا ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَى أَنْ لَا يُقِرَّ بِهَا ، فَلِذَلِكَ قُبِلَ رُجُوعُهُ فِيهَا . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، عَنِ ابْنِ هَزَّالٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا هَزَّالُ ، لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ .
فَصْلٌ بيان أقسام الحدود