الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في تغريب العبد والأمة ، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك.
وأظهر أقوالهم عندنا: أن المملوك لا يغرب ، لأنه مال ، وفي تغريبه إضرار بمالكه ، وهو لا ذنب له ويستأنس له بأنه لا يرجم ، ولو كان محصناً ، لأن أهلاكه بالرجم إضرار بمالكه. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم
"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"الحديث ، ولم يذكر تغريباً ، وقد فهم البخاري رحمه الله عدم نفي الأمة من الحديث المذكور ، ولذا قال في ترجمته: باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى.
وقد قدمنا اختلاف الأصوليين في العبيد هل يدخلون في عموم نصوص الشرع ، لأنهم من جملة المكلفين ، أو لا يدخلون في عموم النصوص ، إلا بدليل منفصل لكثرة خروجهم من عموم النصوص ، كما تقدم إيضاحه.
وقد قدمنا أن الصحيح هو دخولهم في عموم النصوص إلا ما أخرجهم منه دليل ، واعتمده صاحب مراقي السعود بقوله:
والعبد والموجود والذي كفر مشمولة له لدى ذوي النظر
وإخراجهم هنا من نصوص التغريب ، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بجلد الأمة الزانية وبيعها ، ولم يذكر تغريبها ، ولأنهم مال ، وفي تغريبهم إضرار بالمالك. وفي الحديث"لا ضرر ولا ضرار"والعلم عند الله تعالى.
أظهر القولين عندي: أنه لا بد في التغريب من مسافة تقصر فيها الصلاة ، لأنه فيما دونها له حكم الحاضر بالبلد زنى فيه.
وأظهر القولين أيضاً عندي أن المغرب لا يسجن في محل تغريبه ، لأن السجن عقوبة زائدة على التغريب ، فتحتاج إلى دليل ، ولا دليل عليها ، والعلم عند الله تعالى. والأظهر أن الغريب إذا زنى غرب من محل زناه إلى محل آخر غير وطنه الأصلي.