والحاصل: أن حديث أبي داود الذي استدلوا به من حديث سهل بن سعد وابن عباس ليس فيه ذكر التغريب ؛ ولا التصريح بعدمه ؛ ولم يعلم هل هو قبل حديث الإقسام: بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله أو بعده؟ فعلى أن المتأخر الإقسام المذكور فالأمر واضح ؛ وعلى تقدير: أن الإقسام هو المتقدم. فذلك التصريح: بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله مع الإقسام على ذلك لا يصح رفعه بمحتمل ؛ ولو تكررت الروايات به تكرراً كثيراً. وعلى أنه لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحق ، فالحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين هما: أبو هريرة ، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإقسام بان الجمع بينهما قضاء بكتاب الله ، لا شك في تقديمه على حديث أبي داود الذي هو دونه في السند والمتن. أما كونه في السند: فظاهر ، وأما كونه في المتن: فلأن حديث أبي داود ليس فيه التصريح بنفي التغريب ، والصريح مقدم على غير الصريح كما هو معروف في الأصول ، وبه تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه جمع الجلد والتغريب.
وأما الاستدلال بحديث الأمة فليس بوجيه لاختلاف الأمة والأحرار في أحكام الحد ، فهي تجلد خمسين ، ولو محصنة ، ولا ترجم. والأحرار بخلاف ذلك ، فأحكام الأحرار والعبيد في الحدود قد تختلف.
وقد بينت آية النساء اختلاف الحرة والأمة في حكم حد الزنا من جهتين:
إحداهما: أنها صرحت بأنها إن كانت محصنة ، فعليها الجلد لا الرجم.
والثانية: أن عليها نصفة ، وذلك في قوله {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب} [النساء: 25] فتأمل قول {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} وقوله: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب} يظهر لك ما ذكرنا.
ومما ذكرنا تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه: هو وجوب تغريب البكر سنة مع جلده مائة لصراحة الأدلة الصحيحة في ذلك ، والعلم عند الله تعالى.