وهذا دليل من لفظ قوي جدلاً لأن فيه إقسامه صلى الله عليه وسلم بأن الاعتراف بالزنا من المحصن يترتب عليه الرجم ، ولا يخلو هذا الحديث من أحد أمرين: إما أن يكون صلى الله عليه وسلم اقتصر على قوله فارجمها أو يكون قال مع ذلك فاجلدها ، وترطك الراوي الجلد ، فإن كان قد اقتصر على الرجم ، فذلك يدل على نسخ الجلد ، لأنه جعل جزاء الاعتراف الرجم وحده ، لأن ربط الجزاء بالشرط يدل على ذلك دلالة لفظية لا دلالة سكوت ، وإن كان قال مع الرجم واجلدها ، وحذف الراوي الجلد ، فإن هذا النوع من الحذف ممنوع ، ولا يجوز للراوي أن يفعله والراوي عدل فلن يفعله.
وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} [الأنعام: 145] الآية. أنه لا تعارض بين نصيب ، مع اختلاف زمنهما كما هو التحقيق.
وأما القول الثالث وهو الفرق بين الشيخ والشاب ، وإن وجهه ابن حجر بما ذكرنا فلا يخفى سقوطه.
قال مقدية عفا الله عنه وغفر له: دليل كل منهما قوي ، وأقربهما عندي: أنه يرجم فقط ، ولا يجلد مع الرجم لأمور:
منها: أنه قول جمهور أهل العلم ، ومنها: أن روايات الاقتصار على الرجم في قصة ماعز ، والجهينة ، والغامدية ، واليهوديين كلها متأخرة بلا شك عن حديث عبادة.
وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم ، ولم يذكره أحد من الرواة مع تعدد طرقها.
ومنها: أن قوله الثابت في الصحيح"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن جزاء اعترافها رجمها ، والذي يوجد بالشرط هو الجزاء ، وهو في الحديث الرجم فقط.
ومنها: أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين الجلد والرجم على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة ، والحدود تدرأ بالشبهات.
ومنها: أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في عقوبة غير لازمة. والعلم عند الله تعالى.