211 - (11) قوله عَزَّ وجَلَّ: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32] .
* أقول: أمرَ اللهُ سبحانَه أن نُنْكِحَ الأيامى إذا جاءنا خاطِبٌ لَهُنَّ، ورَغِبْنَ إليه إذا كان كُفُؤاً لهنَّ، والأمرُ في هذا على الحَتْمِ والوُجوبِ، فواجِبٌ علينا أن نُنْكِحَهُنَّ، فإنِ امتنعَ أَحَدٌ، أَجْبَرَهُ السُّلطانُ.
رُويَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ:"إذا جاءكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دينه وأَمانَتَهُ، فَزَوِّجوهُ، إلَّا تَفْعَلُوا، تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ وفَسادٌ عريضُ"، أو كَما قالَ.
وبينَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الأَيِّمَ لا تُنْكَحُ حَتَّى تُسْتَأْمَر.
* وفي الآيةِ دلالةٌ ظاهرةٌ على إثباتِ الولاية للأَوْلياء؛ فإنَّ اللهَ سبحانَه لم يأمرهُمْ أن يفعلُوا شيئاً لا يستحقُّونه، ولو كانَتْ عُقْدَةُ النِّكاحِ بيدِ النساء، لما وردَ الأمرُ مضافاً إلا لهنَّ.
* وفي الآيةِ دلالةٌ على أنه لا ولايةَ للمؤمن على الأَيِّم الكافِرَةِ؛ لمفهومِ التقييد بنا، ولقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73] .
* وبينتِ السنَّةُ أيضاً أنه لا ولايةَ لِكافِرِ على مُسلمةٍ، فقد زَوَّجِ أبو سعيدِ بنُ العاصِ أُمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سُفيانَ منَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو سُفيان حَيٌّ؛ لأنها كانتْ مسلمةً يومئذٍ.
ويحتملُ أن التقييدَ مختصٌّ بوصفِ الأحرارِ؛ بدليلِ ذكرِ اللهِ سبحانَهُ للعبيدِ والإماءِ بعدَ التقييد.
* ثم أمرَنا اللهُ سبحانَهُ بإنكاحِ الصالحينَ منَ العبيدِ والإماءِ: فيحتمل أن يكونَ الأمرُ في هذا على الحَتْمِ، فيجبُ على الساداتِ تزويجُ العبيدِ الصالحين إذا طَلَبوا النكاحَ؛ لما فيه من العِفَّةِ لهم، وتحصينِهم من الوقوعِ في الزنى، ودفعِ مَعَرَّةِ الشهوةِ عنهم.
ويحتملُ أن يكونَ على الاختيارِ والنَّدْبِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافعيُّ في الصحيحِ من قوليهِ؛ لقوَّةِ التصرفِ في المملوكاتِ، ولأنه لا فرقٌ بينَهُمْ
وبَين الإماءِ، ولا يجبُ على الساداتِ إنكاحُ إمائِهم اتِّفاقاً، فكذلكَ العبيدُ.