واستثنى أيضاً ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُن، وهو عامٌّ في الإِماءِ والعَبيد، وهو كذلكَ على الأَصَحِّ المنصوص، وخَصَّهُ بعضُهم بالإماءِ دُونَ العبيدِ، وحملَه على الإماءِ الكتابِيّات، وبه قالَ بعضُ الشافعيةِ، وهو مردودٌ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ - رضيَ اللهُ تعالى عنها - لمَّا سَتَرَتْ رأسَها:"إنَّهُ ليسَ عليكِ بَأْسٌ، إنَّما هُوَ أبوكِ أَوْ غُلامُكِ".
واستثنى التابعينَ غيرَ أولي الإِرْبَةِ منَ الرِّجالِ، قالَ ابنُ عباسٍ: هو الرجلُ يتبعُ القومَ، وهو مُغَفلٌ في عَقْلِهِ، لا يَكْتَرِثُ النساءَ، ولا يَشْتَهيهِنَّ.
وعنِ الحَسَنِ نَحْوُ هذا.
وفي معناهُ الشَّيْخُ المُسِنُّ الذي قَدْ فَقَدَ اللَّذَّةَ، والمَمْسوحُ، وهو كذلكَ على الصَّحيحِ منَ الوَجْهين، ومقابلُهُ ضعيفٌ لا وَجْهَ له.
وأَمّا ذو الإِرْبَةِ كالخَصِيِّ والمَجْبوبِ الذي بَقي خُصْياهُ، والعِنِّينِ والمُخَنَّثِ، فإنهم كَفُحولِ الرجالِ.
واستثنى الطِّفْلَ الذينَ لم يَظْهَروا على عَوْراتِ النساءِ، وعلى هذا أجمعَ المسلمونَ، ومَفْهومُ هذا الخطابِ أن المُراهِقَ الذي قَدْ ظَهَرَ على عوراتِ النساءِ، وتحرَّكَتْ شَهْوَتُهُ، واسْتَقْوَى عليها أَنَّه خارجٌ من المُسْتَثْنى، فلا يجوزُ للنساءِ الكَشْفُ عندَهُ، وهو كذلكَ عَلى أَصَحِّ الوَجْهين عندَ الشافعيةِ، والثاني يجوزُ التكشُّفُ عندَهُ؛ كما يجوزُ له الدخولُ بغيرِ استِئْذان إلَّا في الأوقاتِ التي ذكرها اللهُ تعالى.
وهذا الاستدلالُ باطِلٌ؛ لأن الاستئذانَ في حَقِّه أَدَبٌ، وهو حكمٌ معلق بهِ، والسترُ واجبٌ، وهو حكمٌ معلقٌ بالنِّساء.
* ثم نَهاهُنَّ اللهُ سبحانَه عن الإعلام بزينتهِنَّ الخَفِيَّةِ؛ لكَيْلا يُمِلْن الرجالَ، فيؤدِّي إلى الافتتان بهنَّ، فقال تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] ؛ وهذا النهيُ للتحريم، ويدلُّ عليهِ قولُه - صلى الله عليه وسلم -:"صنفانِ من أهلِ النارِ لم أَرَهُما: قومٌ معهمْ سِياطٌ كأَذنْابِ البَقَرِ يُعَذِّبونَ بِها الناسَ، ونساءٌ كاسِيات عارِياتٌ مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، ولا يَجدْنَ رِيحَها، وإنَّ رِيحَها لَيوجَدُ من مَسيرةِ كَذا وكَذا".
(من أحكام النكاح)