وقال مالكٌ والشافعيُّ: هو شَرْعٌ، وليسَ بحكمٍ، فتقعُ الفرقةُ بنفسِ اللِّعانِ، ثم قالَ مالكٌ: تقعُ بعدَ الفَراغِ من لِعانِها؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يفرقْ بينَهما إلا بعدَ تمامِ اللِّعانِ، وقالَ الشافعيُّ: بعدَ الفراغِ من لِعانِ الزوجِ؛ لأنَّ لعانَها لدرءِ العذابِ عَنْها.
* وقد بينَ اللهُ سبحانه اللِّعانَ، وأتم ترتيبَه وبيانَه، ولهذا لم ينقلْ في شيءٍ من رواياتِ الحديثِ لفظٌ لاعَنَ بهِ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بين المُتلاعنين، وإنَّما وردَ: فأمرَهُما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالمُلاعَنَةِ بما سَمَّى اللهُ في كتابِه، فلو بدأتِ
المرأةُ قبلَ الرجلِ، لم يجزْ عندَ الشافعيةِ، وفيهِ عند المالكية خِلافٌ، ولو أبدلَ الزوجُ أو الزوجةُ ألفاظَهُ التي ذكرَها اللهُ تَعالى؛ كإبدالِ الشَّهادَةِ بالحلفِ، وإبدالِ اسمِ الله بالرَّبِّ، وإبدالِ اللَّعْنَةِ بالغَضَبِ، أو تركَ الترتيبَ، فقدم الشهادةَ باللَّعنةِ على غيرها، لم يَصِحَّ على الأَصَحِّ عندَ الشافعيةِ.
* إذا تَمَّ هذا، فقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أن الرَّمْيَ الذي شُرِعَ لهُ اللِّعانُ هو الرميُ بصريحِ الفاحشةِ، ثم هو لا يخلو إمّا أن يكونَ قذفاً مطلَقاً، أو قذفاً مقيَّداً بالمشاهدة لها تزني:
فذهب مالكٌ إلى اشتراطِ التقييدِ في الدَّعوى، كما وردَ في القصةِ من قوله: الرجلُ يَجِدُ مع امرأتِه رَجُلاً.
وذهبَ الجُمهورُ كأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وداودَ، والثوريِّ إلى عدمِ اشتراطِ التقييدِ؛ لظاهرِ إطلاقِ القرآنِ.
واختلفوا في نَفْيِ الحَمْلِ من غيرِ ذكرِ الفاحشةِ:
فذهب الجُمهور إلى إلحاقِهِ بالتَّصريحِ بالفاحشة.
وقال بعضُهم: لا يجوزُ نفيُه من غيرِ ذكرِ قذفٍ.
ثم على قولِ الجُمهورِ لا يخلو إما أن ينفيَه نَفْياً مطلَقاً، أو نفياً مقيَّداً بالاستبراءِ، فأما النفيُ المقيَّدُ، فلا خلافَ فيه، وأما النفيُ المطلَقُ، فمنعَهُ مالكٌ، وجَوَّزه الشافعيُّ، وداودُ، وأحمدُ.
* فإن قيلَ: فإذا كانَ للزوجِ شهداءُ، فهل لهُ اللِّعانُ، أو ليسَ لهُ؛ لأن اللهَ سبحانَه شرطَ عدمَهم؟ قلنا: ذهبَ إلى اعتبارِ الشرطِ أبو حنيفةَ وداودُ، فلا يجوزُ اللِّعانُ عندَهما إذا قامتِ البينةُ بِزِناها.
وذهبَ مالكٌ والشافعيُّ إلى أنَّ الشرطَ خرجَ على غالب الوُجود، وأنه يجوزُ له اللِّعانُ، وإن قامَتِ البينةُ.