فقالَ الجمهورُ: يُحَدُّ كالقاذِفِ الأجنبيِّ إذا لم يأتِ بأربعةِ شُهَداءَ، فيُجمعُ بين القاذفِ الأجنبيِّ وبينَ القاذفِ سِواهُ فيما جمعَ اللهُ، ويفرَّقُ بينَهما فيما فرَّقَ اللهُ تعالى، ويدلُّ عليه أيضًا قولُه - صلى الله عليه وسلم -:"البَيِّنَةَ أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ".
وقال أبو حنيفةَ: لا يُحَدُّ، بلْ يُحْبَسُ؛ لأنه لا ذِكْرَ لِحَدِّ الزَّوْجِ في
الآية، والتعرُّضُ لإيجابِه زيادةٌ في النَّصِّ، والزيادةُ في النصِّ نَسْخٌ، والنسخُ غيرُ جائزٍ بالقياسِ، ولا بأخبارِ الآحادِ.
ولقائلٍ أن يقولَ: قد ذكرَهُ اللهُ سبحانَهُ في كتابهِ، ودلَّ عليه بطريقِ التفهيم، فإنَّه لما أقامَ اللهُ سبحانَهُ شهادةَ الأزواجِ لأنفسِهم مقامَ الشهداءِ الأجانبِ، فهمْنا أنَّ عدمَ هذهِ الشهادةِ كعدمِ تلكَ الشهادةِ، وأن الحكمَ فيهما واحدٌ، وأن الله سبحانه قال: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ} [النور: 8] ، فدلَّ على أن هذا العذابَ قد وجبَ عليها، فكذلكَ الزوجُ إذا لم يَدْرَأْ عن نفسِه العذابَ، فقد وجبَ عليهِ.
* وكذلكَ اختلفوا في العذابِ الواجِبِ عليها إذا لم تَشْهَدْ خَمْسَ شهاداتٍ.
فقال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجمهورُ أهلِ العلمِ: هو حَدُّ الزنى.
وقال أبو حنيفةَ: العذابُ هو الحبسُ حتى تُلاعِنَ، واحتجَّ لهُ بقولِه - صلى الله عليه وسلم -:"لا يَحِلّ دَمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحْدى ثلاثٍ: كفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو زِنىً بعدَ إِحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسِ بغيرِ حَقٍّ"، وبأن القاعدةَ المقررةَ في الشريعةِ أنَّ الأموالَ لا توجبُ بالنُّكولِ، فبطريقِ الأَوْلى لا تُسْفَكُ بِها الدماءُ، وتزهقُ بها الأرواحُ.
واختار قولَهُ إمامُ الحرمينِ من الشافعيَّةِ في كتابِه"البرهان"، وابنُ رُشْدٍ من المالكية.