بالأكل ولا ماء عنده جاز له أن يسوغها بالخمر ، ومن أنهكه الجوع ولا شيء عنده جاز له أكل الميتة والدم والخنزير بقدر ما يدفع به الغصة وضرر الهلاك وفاقا للقاعدتين المذكورتين ، وليعلم أن ما يحصل للوجود من الضرر بشرب أو أكل شيء من ذلك أهون من ضرر الإتلاف والقاعدة الشرعية الثالثة هي اختيار أهون الأمرين ضررا ، هذا"وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ"فيحرّمون ويحللون كما تشتهي أنفسهم"بِغَيْرِ عِلْمٍ"جهلا منهم بحكم اللّه وعدم معرفتهم بحقائق ما حرم عليهم غير ملتفتين إلى أسبابه لأن اللّه تعالى لم يحرم علينا شيئا إلا لمنفعتنا ودرأ للمضار عنا فمخالفته اعتداء عليه تعالى أولا وثانيا على النفس التي أوجب اللّه علينا محافظتها من المضار ، وجاء في الخبر: من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه"إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ 119"المتجاوزين قدر الحاجة في تناول المحرمات زيادة عن الضرورة ، هذا وليعلم أن طاعة اللّه واجبة مطلقا سواء كان المنهي عنه بسبب ظاهر أو لا لأن أحكام اللّه لا تعلل كما نوهنا به في الآية 96 من سورة يونس المارة ، قال تعالى"وَذَرُوا"أيها الناس"ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ"اتركوه وتباعدوا عنه وأعرضوا عن كل ما نهيتم عنه إذا كنتم تريدون الطهارة الحسية والمعنوية ، واجتنبوا ما يطلق عليه لفظ الإثم سرا وعلانية قليلا أو كثيرا لأن التلبس بالذنوب سرا يفضي إلى الجهر ، ومقارفة القليل منها تؤدي إلى الكثير ، ومن مال حول الحمى يوشك أن يقع فيه ثم هدد جل ثناؤه أمثال هؤلاء بقوله"إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ"أي إثم كان ومجيئه معرفا لا يمنع من عمومه لشموله جميع المنهيات الكبائر والصغائر"سَيُجْزَوْنَ"يوم القيامة إن لم تعجل لهم العقوبة في الدنيا ولم يتوبوا أو يقاصصوا ، لأن اللّه تعالى قد يغفر بعض الإثم بمقابل ما يصيب مكتسبه من البلاء"بِما"