فَانْظُرْ كَيْفَ تَضَافَرَتْ كُلُّ هَذِهِ النُّصُوصِ كَبَاقِي نُصُوصِ جَمِيعِ الْمَالِكِيَّةِ ، عَلَى إِنَاطَةِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ بِكَوْنِهِ حَلَالًا عِنْدَهُمْ - أَيْ يَأْكُلُونَهُ - وَعَدَمِهِ ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ مَا قَصَدَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْحَفَّارُ ، وَقَالَ: أَهْلُ الْمَذْهَبِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ وَيُفْتُونَ بِحِلِّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ ،
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تَعْلَمُ أَنَّ الذَّبْحَ لِلصَّلِيبِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْمَسِيحِيَّةِ الْحَقَّةَ ; لِأَنَّهُ حَادِثٌ بَعْدَهَا ، إِذْ مَنْشَؤُهُ حَادِثَةُ الصَّلْبِ الْمَشْهُورَةِ ، فَكُلُّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، مَا هُوَ حَلَالٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي شَرِيعَتِهِمُ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ - أَيْضًا - مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَيْتَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَأَنَّهَا الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ ذَكَاتُهَا ، كَمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْيِيدُ الْمُنْخَنِقَةِ وَمَا مَعَهَا بِمَا لَمْ تُقْصَدْ ذَكَاتُهُ ، وَيَكُونُ هَذَا فِي الْمُنْخَنِقَةِ وَمَا مَعَهَا ، بِدَلِيلِ: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ كَمَا سَبَقَ ، وَمِنْهُ يَتَّضِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَيْتَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنْ كَانَ الْكِتَابِيُّ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فَلَا تَأْكُلْ مَا غَابَ ... إِلَخْ .