فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَسُوغُ تَقْلِيدُ الْحَنَفِيِّ لِغَيْرِ مَذْهَبِهِ ؟ قُلْتُ: أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُقَلِّدُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَقَلَّدَ الْحَنَفِيَّ عَنْ تَرْجِيحِ بُرْهَانٍ فَهَذَا رُبَّمَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ ، أَيْ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ لَهُ تَرْجِيحُ دَلِيلِ الْحِلِّ ثَانِيًا ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ الْبَحْتِ ، كَمَا هُوَ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا ، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَئِمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ ، وَالْعَامِّيُّ لَا مَذْهَبَ لَهُ ، وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُ مَذْهَبُ مُفْتِيهِ ، وَقَوْلُهُ: أَنَا حَنَفِيٌّ أَوْ مَالِكِيٌّ ; كَقَوْلِ الْجَاهِلِ أَنَا نَحْوِيٌّ ، لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ سِوَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ ، فَبِأَيِّ الْعُلَمَاءِ اقْتَدَى فَهُوَ نَاجٍ ، عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ وَرَاءَ ذَلِكَ ، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ بِالْفِعْلِ فِي تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ لِغَيْرِهِ ، وَالْكَلَامُ مَبْسُوطٌ فِي ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَقَدْ حَرَّرَ الْبَحْثَ أَبُو السُّعُودِ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا النَّوَوِيَّةِ ، وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمَكِّيُّ ، فَلْيُرَاجِعْهَا مَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى التَّفْصِيلِ .""