قال الحافظ ابن حجر في"الفتح": وعن مالك وأحمدَ ، تحريم ما حرم الله على أهل الكتاب كالشحوم . قال ابن القاسم: لأن الذي أباحه الله طعامهم . وليس الشحوم من طعامهم . ولا يقصدونها عند الذكاة . وتعقب بأن ابن عباس فسّر (طعامهم) بذبائحهم ، وإذا أبيحت ذبائحهم لم يحتج إلى قصدهم أجزاء المذبوح . والتذكية لا تقع على بعض أجزاء المذبوح دون بعض . وإن كانت التذكية شائعة في جميعها دخل الشحم لا محالة . وأيضاً فإن الله تعالى نص بأنه حرم عليهم كل ذي ظفر . فكان يلزم ، على قول هذا القائل ، إن اليهوديّ ، إذا ذَبَح ما له ظفر ، لا يحل للمسلم أكله . ثم قال ابن حجر: وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} يستدل به على الحلّ ، لأنه لم يخص لحماً من شحم ، وكون الشحوم محرمة على أهل الكتاب لا يضر ، لأنها محرمة عليهم لا علينا . وغايته بعد أن يتقرر أن ذبائحهم لنا حلال ، أنّ الذي حرم عليهم منها مسكوتٌ في شرعنا عن تحريمه علينا . فيكون على أصل الإباحة . انتهى .
وفي"الصحيح"عن عبد الله بن مغفّل رضي الله عنه قال: ( كنا محاصرين قصر خيبر . فرمى إنسان بجراب فيه شحم . فنزوت لآخذه . فالتفتّ فإذا النبيّ صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه ) . وفي رواية: ( أُدْلِيَ بجراب من شحم يوم خيبر . فحضنته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحداً . والتفتّ فإذا النبيّ صلى الله عليه وسلم يتبسّم ) .
قال الحافظ ابن حجر: فيه حجة على من منع ما حرّم عليهم كالشحوم . لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقرّ ابن مُغَفَّل على الانتفاع بالجراب المذكور . وفيه جواز أكل الشحم ، مما ذبحه أهل الكتاب ، ولو كانوا أهل حرب . انتهى . وقال الحافظ ابن كثير: استدل على المالكية الجمهور بهذا الحديث . وفي ذلك نظر . لأنه قضية عين . ويحتمل أن يكون شحماً يعتقدون حله ، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما . والله أعلم .