فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 202

فانظر نصف مالي فخذه ... ولى زوجتان، انظر أيهما أعجب لك حتى أطلقها. فرفض عبد الرحمن بن عوف، وقال لأخيه سعد بن الربيع: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق .. ونزل إلى السوق للعمل من أجل كسب عيشه.

وبالرغم من هذا الإيثار وهذا الحب الذي صنعته العقيدة بنفوس الأنصار والذي أثنى الله عليه في قوله: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]

وبالرغم من السماحة والإيثار والسخاء في العطاء من الأنصار للمهاجرين إلا إن الفجوة ظلت واسعة بين أثرياء المدينة وبين المهاجرين من المسلمين، وكان لا بد إن يفعل الرسول شيئا، إلى إن وقعت موقعة"بنى النضير"وسلمت للنبي صلحا بدون حرب، فكانت فيئا كلها لله وللرسول. بخلاف غنائم الحرب التي تكون أربعة أخماسها للمقاتلين، والخمس الباقي لله وللرسول عندئذ أراد الرسول إن يعيد لجماعة المسلمين شيئا من التوازن في ملكية المال، فمنح فيء بنى النضير كله للمهاجرين ورجلين فقيرين من الأنصار.

وفى هذه الواقعة يقول القرآن الكريم: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 7 - 8]

ودلالة هذا التصرف من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذا التعليل لذلك التصرف في القرآن، غير خافية ولا في حاجة إلى بيان؛ فهي تقرر مبدأ إسلاميا صريحا، وهو كراهة إنحباس المال في أيد قليلة من الجماعة؛ وضرورة تعديل الأوضاع التي تقع فيها هذه الظاهرة بتمليك الفقراء قسطا من المال ليكون هناك نوع من التوازن، و"كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم". ذلك إن تضخم المال في جانب وانحساره في الجانب الآخر، مثار مفسدة عظيمة، فوق ما يثيره من أحقاد وضغائن ... . فحيثما وجدت ثروة فائضة، كانت كالطاقة الحيوية الفائضة في الجسد، ولا بد لها من تصريف، وليس من المضمون دائما إن يكون هذا التصريف نظيفا ومأمونا، فلا بد إن تأخذ طريقها أحيانا في صورة ترف مفسد للنفس مهلك للجسد، وفى صورة شهوات تقضي، تجد متنفسها في الجانب الآخر المحتاج إلى المال، يصل إليه عن طريق بيع العرض والإتجار فيه، وعن طريق التملق والكذب وفناء الشخصية لإرضاء شهوات الذين يملكون المال، وتمليق غرورهم وخيلائهم، والمضطر يركب الصعب، وصاحب المال المتضخم لا يعنيه إلا إن يجد متصرفا للفائض من حيويته، والفائض من ثروته، وليست الدعارة وسائر ما يتصل بها من خمر وميسر وتجارة رقيق، وسقوط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت