فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 202

ينفرد الإنسان عن باقي الكائنات الحية الأخرى بالعقل الذي حباه الله به مما يساعده على الاختراع والابتكار والسيطرة على ما سخره الله له من الطبيعة من أجل منفعته، لذلك فهو يطور حياته من جيل إلى آخر، فكل جيل من الأجيال يرث ثقافة الجيل السابق له ويعدل فيها ويطورها ويضيف إليها، ثم يورثها إلي الجيل الذي يليه، وهكذا تنمو الثقافة من جيل إلى جيل. وهذه الخاصية ينفرد بها الإنسان دون الحيوان فحياة الحيوانات لا تتغير، فلو تتبعنا مجموعة من الحيوانات في غابة، فإننا نجد إن حياتها تكاد تسير على وتيرة واحدة ولا تتغير مسيرة الحياة لدى هذه الحيوانات من جيل إلى جيل بل تكاد تكون ثابتة. فبالرغم من إن الحيوانات تعيش في جماعات، وتنظم نفسها، وتقسم العمل بين أفرادها، كما إن لها نظمًا اجتماعية دقيقة كالنحل والنمل إلا أنها بدون ثقافة، فهي تولد مزودة بدوافع فطرية لكل ذلك وتنتهي خبراتها بانتهاء حياتها.

تتكون الثقافة - في غالبيتها - من عادات أو استجابات متعلمة يكتسبها الإنسان عن طريق الخبرة أثناء حياته، وأثناء مروره بعملية التطبيع الاجتماعي داخل الأسرة التي يعيش فيها والمجتمع الذي ينتمي إليه، فالإنسان يكتسب من الآباء والأجداد والأقران عاداته، واتجاهاته، وطرق تفكيره كما يكتسبها عن طريق المؤسسات التربوية المختلفة سواء في المسجد أو المدرسة أو النادي .. أي أنها تنتقل على المستوى الرأسي (من الآباء إلي الأبناء، أو من المعلم إلي تلميذة) كما أنها تنتقل على المستوى الأفقي (من مجتمع إلي آخر) فكثيرا ما نستورد بعض الأجهزة من الخارج كما ننقل منهم بعض أساليب التكنولوجيا في مجالات الحياة المختلفة من طب وزراعة وهندسة ... الخ وكل هذا يدل على انتقال الثقافة على المستوى الأفقي، إلا إن هناك بعض الأنماط الثقافية يكتسبها الإنسان عن طريق الوحي وهذه خاصة بالرسل والأنبياء.

فالثقافة تمد الإنسان بما يحتاج إليه بيولوجيا وسيكولوجيا وعقليا واستمرار نمط معين من الثقافة دليل على نجاحه في إشباع حاجات الأفراد والجماعات أما إذا لم يلب هذا النمط من الحاجات، فإن الإنسان يستغني عنه، ويبحث عن بديل يشبع حاجاته. فقصور الثقافة عن إشباع حاجات الأفراد يؤدى إلى انحلالها، كما إن الحاجة نفسها تكون سببا في اكتشاف أنماط ثقافية جديدة، فالحاجة أم الاختراع، فالحاجات والثقافة يؤثر كل منهما في الآخر إما بالإيجاب أو السلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت