وفى نفس الوقت الذي زود فيه الله الإنسان بالاستعداد لعمل الخير وعمل الشر على السواء فقد أودع في نفسه خصائص القدرة على إدراك الخير والشر والهدى والضلال، والحق والباطل. كما زوده بكل وسائل الإدراك والتمييز والتدبر، وأهمها السمع والبصر والفؤاد والمنطق ... وكل الوسائل التي تسهل له الاختيار وتيسر له وظيفته في الحياة، فعن وابصة بن معبد رضى الله عنه قال"أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: جئت تسأل عن البر والإثم؟ قلت: نعم، قال: استفت قلبك: البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك"ففي هذا الحديث يتضح بجلاء إن الإنسان جبل بفطرته التي فطرها الله عليها على التمييز بين الخير والشر والحق والباطل.
ومن خصائص الإنسان إن فيه ضعف بشرى حتى أنه يمكن قيادته إلي الشر والارتكاس إلى الدرك الأسفل من حطام شهواته ... وفي أولها ضعفه تجاه حب البقاء، وضعفه تجاه حب الملك .. ويكون في أشد حالات ضعفه وأدناها حين يبتعد عن هدى الله ويستسلم لهواه، أو يستسلم لعدوه العنيد الذي أخذ على عاتقه إغواءه، في جهد ناصب، لا يكل ولا يدع وسيلة من الوسائل، وهذا الضعف يمكن اتقاؤه بالإيمان والذكر حتى لا يكون للشيطان سلطان على المؤمن الذاكر ولا يكون لكيده الضعيف حينئذ من تأثير.
وقد اقتضت رحمة الله به -من ثم - ألا يتركه لفطرته وحدها ولا لعقله وحده فأرسل إليه الرسل وأنزل إليه الكتب السماوية للإنذار والتذكير والهداية وما أعدل الله! فإذا كانت فطرة الإنسان قد تساوت فيها نزعة الخير والشر داخله، ولكن مع وجود الشيطان يؤسس له الشر من الخارج، فكانت رحمة الله له بإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية له بهدايته حتى تتساوى لديه أيضا عوامل الشر والخير الخارجية وله إن يختار ويقرر بعد ذلك بإرادته مع تحمل النتائج.
ومن طبيعة الإنسان التى فطره الله عليها النسيان، وكان ذلك منذ النشأة الأولى للإنسان {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] ، ومما يزيد من عملية النسيان ضعف العزيمة كما يتضح ذلك من سياق الآية، ومن أشد عوامل النسيان انهماك الإنسان في المعاصى واللهو واللعب، وانغماس الإنسان في متاع الحياة الدنيا