فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 202

فقد أخذ الله على بني آدم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم، وهم في عالم الذر، فالاعتراف بربوبية الله فطرة في كيان الإنسان؛ لذلك فحقيقة التوحيد مركوزة في الفطرة الإنسانية، يخرج بها كل مولود إلى الوجود، فلا يميل عنها إلا إن يفسد فطرته عامل خارجي عنها، عامل يستغل الاستعداد البشرى للهدى والضلال ويوضح هذا صراحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أوينصرانه أويمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء" (البخارى)

إن العبودية لله هي حقيقة الإيمان، وهي في الوقت ذاته أعلى مقام للإنسان يبلغ إليه بتكريم الله له، إن العبودية لله وحده هي العاصم من العبودية للهوى والعاصم من العبودية لهواه كما يعتصم بالله من العبودية لسواه.

إن الذين يستنكفون إن يكونوا عباد الله وحده، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى، يقعون من فورهم عبيدا لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودوافعهم، فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع الإنسان من بين سائر الأنواع، وينحدرون في سلم الدواب فإذا هم شر الدواب، وإذا هم كالأنغام بل هم أضل، وإذا هم أسفل سافلين بعد إن كانوا - كما خلقهم الله- في أحسن تقويم.

كذلك يقع الذين يستنكفون إن يكونوا عباد الله في سر العبوديات الأخرى وأحطها يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم، يصرفون حياتهم وفق هواهم، ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر مشوبة بحب الاستعلاء، كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى.

ويقعون في عبودية"الحتميات"التي يقال لهم: أنه لا قبل لهم بها، وأنه لا بد من إن يخضعوا لها ولا يناقشونها"حتمية التاريخ""حتمية الاقتصاد"، حتمية التطور"وسائر الحتميات المادية التي تمرغ جبين الإنسان في الرغام وهو لا يملك إن يرفعه، ولا إن يناقش - في عبوديته البائسة الذليلة - هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة."

وهذا الإنسان الذي أسجد الله له الملائكة - سجود تحية - لا يسجد إلا لله وفى ذلك غاية التكريم وكمال الحرية.

والإنسان مكون من جسد وروح، فقد خلقه الله من طين ونفخ فيه من روحه {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 - 72]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت