فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 202

يالها من عظمة، ويالها من كرامة ما بعدها كرامة إن خلق الله الإنسان لأمر عظيم، خلقه ليكون مستخلفا في الأرض مالكا لما فيها، فاعلا مؤثرا فيها {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} . [البقرة: 30]

فعظمة الإنسان يستمدها من خالقه فهو الخليفة لله في الأرض، وأنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض، والسيد الأول في هذا الميراث الواسع. ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور الأول، وأنه سيد الأرض إذن فمشيئة الله تريد إن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين والتحليل والتركيب والتحوير والتبديل، وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله - بإذن الله - في المهمة الضخمة التي وكلها الله له، إذن فهي منزلة عظيمة، أنزلها هذا الإنسان، في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة، وهو التكريم الذي شاءه له الخالق الكريم.

ومع تساوى استعداد الإنسان لعمل الخير والشر على السواء في فطرته وتزويده بوسائل التمييز بينهما، ترك الله للإنسان حرية الاختيار بينهما على إن يتحمل تبعة ما يختار: {وَقُل الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا.} [الكهف: 29]

وهذه قمة الحرية ولكن مع تحمل مسئولية النتائج فقد بينت الآيات السابقة النتائج التي سيكون عليها الكافرون والظالمون، أما نتيجة المؤمنين فتبينها الآيات {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ُأوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} . [الكهف: 31 - 32]

فالإنسان يستطيع إن يعرج إلى السماوات العلي ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يُخلص عبوديته لله، ويترقى فيها إلي منتهاها، كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص"إنسانيته"ويتمرغ في الوحل الحيواني، وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم الحس وأبعد مدى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت