لقد أودع الله الإنسان مجموعة من الاستعدادات الفطرية والتي تؤهله لخلافته في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب فيها ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة. وهي التى تسمح له بالتعرف على بعض نواميس الكون واستخدامها في حاجته، تلك الاستعدادات التي تتناسب مع طبيعة هذه المهمة العظيمة، فقد وهب الله الإنسان العقل وزوده بوسائل تساعده على الإدراك من سمع وبصر {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23]
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]
ولقد خص الله الإنسان بالعقل دون سائر الدواب على الأرض ليقوم بالعمليات العقلية المختلفة من التذكر والنظر والتدبر والتفكر والتفقه والتعقل ... الخ. وقد ورد ذكرها في كثير من الآيات القرآنية، وعند عدم استخدام الإنسان هذه الوسائل فيما خلقها الله له فإنه يضل ويكون مصيره إلى جهنم ويكون مثله كمثل الأنعام بل أضل {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]
كما إن الله علم الإنسان الأسماء كلها، فعلمه اللغة التي يتفاهم بها ويتعامل بها مع غيره: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]
لقد أودع الله هذا الكائن البشرى السر الإلهي العظيم، وهو يسلمه مقاليد الخلافة، سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها رمزا لها، وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض، وأن الحياة لم تكن لتمضى في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، وهي ألفاظ منطوقة، ومن هنا نستدل أيضا إن آدم تعلم من ربه مفاهيم هذه الأسماء، فليس من المنطق إن يعلمه الله المسميات بدون فهم مدلولها.
كما كان من فضل الله على الإنسان إن دربه على كيفية مواجهة عدوه اللدود إبليس الذي رفض إن يسجد للإنسان تكبرا واستعلاء عليه {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]