{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينً} [الإسراء: 61]
{قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]
فقد وضع الله آدم في تجربة مباشرة مع إبليس قبل إن يهبط على الأرض {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 35 - 36]
وهذا إيذان بانطلاق المعركة في مجالها المقدر لها بين الشيطان والإنسان إلى آخر الزمان، وهنا تعلم آدم إن له عدوا (الشيطان) وكانت هذه تجربة لهذا الخليفة وإعدادا له، كانت إيقاظا للقوى المنظورة في كيانه كانت تدريبا له على تلقى الغواية، وتذوق العاقبة، وتجرع الندامة، ومعرفة العدو،، والالتجاء بعد ذلك إلي الملاذ الأمين.
إن قصة الشجرة المحرمة، ووسوسة الشيطان باللذة، ونسيان العهد بالمعصية، والصحوة بعد السكرة، والندم وطلب المغفرة ... إنها هي تجربة البشر المتجددة المكرورة! لقد اقتضت رحمة الله بهذا المخلوق إن يهبط إلى مقر خلافته مزودا بهذه التجربة التي سيتعرض لمثلها طويلا، استعدادا للمعركة الدائمة بينه وبين الشياطين الذين يتربصون بالمؤمنين في كل وقت وحين وفي كل اتجاه. {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} . [الأعراف: 16 - 17]
لقد أذن الله لآدم وزوجته بالمتاع الحلال ووصاهما بالامتناع عن المحظور و لا بد من محظور يتعلم منه هذا الجنس إن يقف عند حد وأن يدرب المركوز في طبعه من الإرادة التي يضبط بها رغباته وشهواته ويستعلى بها على هذه الرغبات والشهوات فيظل حاكما لها لا محكوما كالحيوان، فهذه هى خصيصة الإنسان التي يفترق بها عن الحيوان ويتحقق بها فيه معنى الإنسان.
وهذه كلها مقومات لإرادته، حتى يستعلى على ضعفه وشهواته .. وقد كان أول تدريب له في الجنة هو فرض"المحظور"عليه، لتقوية هذه الإرادة، وإبرازها في مواجهة الإغراء والضعف، وإذا كان قد فشل في التجربة الأولى، فقد كانت هذه التجربة رصيدا له فيما سيأتي.