لقد أوجب الشرع على الدولة تحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة حتى لا يمشى أحد بينهم ذا حاجة، ويجد كل فرد -مسلما كان أو غير مسلم - قدر كفايته، وهذا مبدأ عظيم سبق الإسلام في تقريره كل النظم والشرائع التي يلهج الناس بالثناء عليها في العصر الحديث.
فواجب على الدولة في الإسلام إن توفر للمواطنين - مسلمين وذميين - ما هم في حاجة إليه من الغذاء والكساء والمسكن والعلاج وما في حكم ذلك، حتى الخدمة لمن يحتاجها كالعاجز والمقعد ولا يكون ذلك لمجرد إبقاء الحياة، بل يجب إن يبلغ قدر الكفاية، وقدر الكفاية هو ما يحقق مستوى كريما من المعيشة.
ويجب ملاحظة إن هذا الواجب على الدولة مختلف عن الزكاة التي هي فرض عين على الأفراد، أما التكافل الاجتماعي فهو فرض على الدولة القيام به، وهو ينفق على كل المسلمين والذميين لتوفير مستوى معيشة لائق بهم، ويدفع عنهم الضرر، فهو شئ فوق الزكاة، وأعم منها في جهة صرفه، ويؤخذ من بيت المال، فإن لم يوجد فرض على القادرين وهذا لم تصل إليه الدولة الحديثة في العصر الحديث في أوربا وغيرها.
والإسلام نظام يقوم على العدالة، لكن الإسلام لا يقصد بالعدالة في المال فقط، وإنما العدالة في كل مناحي الحياة وأشكال السلوك والفكر، ففي ملكية المال يؤكد الإسلام كراهيته لأن يحبس المال في أيدي فئة خاصة من الناس يتداول بينهم، بينما يمنع عن الآخرين {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} ومعنى هذا إن الإسلام أجاز للحاكم إن يأخذ بعض المال من الأغنياء، ويملكه بالفعل للفقراء؛ وذلك عندما يرى إن المجتمع قد اختل توازنه بظهور آفة الترف الشديد في جانب، والفقر المدقع في جانب آخر.
وهذا ما فعله الأنصار مع المهاجرين بعد الهجرة. لقد ساد بين المهاجرين والأنصار لون من ألوان الحب الرفيع الذي يميزه العطاء حتى ليصل فيه الكرم إلى الحد الذي يعطي الإنسان وهو يتصور أنه يأخذ ولقد أدرك الرسول أهمية هذا الحب في بناء المجتمعات فآخى بين المهاجرين والأنصار. وكان المهاجرون الذين تركوا أموالهم وديارهم فرارا بدينهم لا يطمعون فيما هو أكثر من الإيواء العاجل وخبز الكفاف، لكن الأنصار تصرفوا بنبل لا نظن إن التاريخ الإنساني يعرف له نظيرًا. فقد جاءوا إلى الرسول. قالوا يا رسول الله اقسم النخيل بيننا وبين إخواننا المهاجرين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا ... .. بل ويشاركونكم في التمرة.
كان هذا على المستوى العام، أما على المستوى الخاص، فقد كان تصرف الأنصار مثلا رائعا في الحب والإيثار، وكان تصرف المهاجرين مثلا في الترفع والعزة. فقد آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين عبد الرحمن بن عوف
(المهاجر) وسعد بن الربيع (الأنصاري) فقال سعد لعبد الرحمن بن عوف: أنت أخي، وأنا أكثر أهل المدينة مالا،