الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف إذ عاد عبد الله بن أبى بن سلول بثلث الجيش والعدو قادم على الأبواب وهو حدث ضخم وخلل مخيف، كذلك بدا إن الخطة التي نفذت لم تكن في ظاهرها أسلم الخطط من الناحية العسكرية إذ أنها كانت مخالفة للسوابق"في الدفاع عن المدينة -كما قال عبد الله بن أبى، وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة الأحزاب التالية فبقوا في المدينة وأقاموا الخندق ولم يخرجوا للقاء العدو منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج."
فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة التي رآها والتي يعرف مدى صدقها وقد تأولها قتيلا من أهل بيته وقتلى من صحابته، تأول المدينة درعا حصينة .. وكان من حقه إن يلغى ما استقر عليه نتيجة الشورى .. ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من آلام وخسائر وتضحيات لأن إقرار المبدأ وتعليم الجماعة وتربية الأمة أكبر من الخسائر الوقتية.
ولقد كان من حق الإدارة النبوية إن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة، لكن الإسلام كان ينشئ أمة ويربيها ويعدها لإدارة البشرية، وكان الله يعلم إن خير وسيلة لتربية الأمة وإعدادها للإدارة الرشيدة إن تربى بالشورى وأن تدرب على حمل التبعة وأن تخطئ مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة - لتعرف كيف تصحح خطأها وكيف تتحمل تبعات رأيها وتصرفها فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ، والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدركة المقدرة للتبعة.
واختصار الأخطاء والقدرات والخسائر في حياة الأمة ليس فيه شئ من الكسب لها، إذا كانت نتيجته إن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية.
إنها في هذه الحالة تتقى خسائر مادية، وتحقق مكاسب مادية ولكنها تخسر نفسها وتخسر وجودها وتخسر تربيتها وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية، كالطفل الذي يمنع مزاولة المشي- مثلا - لتوفير العثرات والخبطات أو توفير الحذاء.
كان الإسلام ينشئ أمة ويربيها ويعدها للإدارة الرشيدة فلم يكن بُدُُّ إن يحقق لهذه الأمة رشدها ويرفع الوصاية عنها في حركات حياتها العملية الواقعية كي تتدرب عليها في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبإشرافه، ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى ويمنع تدريب الأمة عليها تدريبا عمليا واقعيا في أخطر الشئون كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة الإسلامية نهائيا وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب ويحل للإدارة إن تستقل بالأمر وله كل