وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، إنما نهي عمَّا كان أهل الجاهلية يصنعون، وكان يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق. أهـ
وكذلك النعي بقصد الفخر والخيلاء، كقولهم: مات اليوم فلان، وكان كذا، وأبوه كذا، وقريبه كذا،
أو النعي على رءوس المنائر.
وقال ابن المرابط:
إن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله لكن في تلك المفسدة مصالح جمَّة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك من الأحكام
فهذه الأحاديث تدل على أن مجرد الإعلام بالموت لا يكون نعيًا محرَّمًَا
وهناك آثار عن الصحابة والتابعين تدل على مشروعية النعي منها:-
ـ ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في السنن بسند حسن عن يحيى بن عبد الحميد بن رافع عن جدته:
أن رافع بن خديج مات بعد العصر، فأتى ابنُ عمرَ فأخبر بموته، فقيل له: ما ترى، أيخرج بجنازته الساعة؟ فقال: إن مثل رافع لا يُخْرَجُ به حتى يؤذن به من حولنا من القرى، فأصبحوا فأخرجوا بجنازته.
ـ وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ:
أنه كان لا يرى بأسًا أن يُؤْذِنَ الرجلُ حميمهُ وصديقهُ بالجنازة
وقال الحافظ في نفس المصدر السابق (3/ 117) :
وحاصله: أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا.
وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له ميت يقول:
"لا تؤذنوا به أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأُذُنَيَّ هاتين ينهى عن النعي".
(أخرجه الترمذي، وابن ماجة بسند حسن حسنه الشيخ الألباني، وضعفه بعض أهل العلم)
ثم أورد الحافظ كلام ابن العربي - رحمه الله - فقال:
يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:-